لم تعد بيروت الملاذ الامن لسكانها، فبعد الهجوم الاخير تحولت العاصمة اللبنانية الى مدينة يسيطر عليها الخوف والقلق، حيث دفع القصف الذي استهدف مناطق عدة بالمدينة يوم الاربعاء الماضي، مخلفا مئات القتلى والجرحى، الاهالي الى البحث عن ملاذ امن، واجبرهم على اتخاذ قرار الرحيل. فالوضع الراهن جعل البقاء في بيروت مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبدات المدينة تفقد الامان تدريجيا، مما دفع سكانها للنزوح بحثا عن الاستقرار.
نزوح جماعي تحت وطاة الخوف
بعد القصف الاخير الذي استهدف مناطق في بيروت، قرر عدد كبير من السكان المغادرة، خاصة من يقطنون المناطق الميسورة، حيث تمكنوا من الانتقال الى منازل الاصطياف او الشاليهات خارج بيروت، الا ان الازمة تشتد على من لا يملكون خيارات بديلة، وخاصة النازحين الذين لجأوا الى بيروت ويعيشون في مراكز النزوح، حيث لم يعد لديهم خيار سوى التسليم بالامر الواقع.
«سلامة العائلة اولا»
هذا الواقع فرض نفسه على قرارات العديد من العائلات، حيث قال محمد السيد، احد سكان بيروت: «منذ بداية الحرب كنت حريصا على البقاء في بيتي في بيروت لاسباب عدة، اهمها الخوف من دخول غرباء الى المنزل في غيابنا، اما اليوم ومع التصعيد الاخير، لم تعد بيروت امنة بالنسبة الينا، وباتت سلامة عائلتي هي الاولوية».
واضاف السيد: «اتخذت قراري بالانتقال الى الشمال، حيث املك بيتا بانتظار ما ستؤول اليه الامور»، وتابع: «لا نريد ان نعيش لحظات الرعب والخوف التي عشناها يوم الاربعاء، فالامور باتت خارج السيطرة، ولم يعد بيدنا حيلة الا المغادرة علنا ننجو»، وشدد على ان «الوضع الامني في بيروت يختلف عن كل المراحل، فحتى خلال الاحتلال الاسرائيلي عام 1982 لم تعمد اسرائيل الى قصف العاصمة على غرار ما تفعل اليوم».
وفي السياق ذاته، روى ماهر (م)، وهو من ابناء بيروت الذين لا يملكون منزلا خارجها، تجربته قائلا: «منزلنا في منطقة فردان، القريبة من تلة الخياط التي قصف مبنى فيها يوم الاربعاء، عشنا لحظات رعب لا تنسى انا وزوجتي واطفالي الثلاثة، فانتقلت الى قريب لي كان قد استاجر احد الشاليهات في منطقة جونية شرق بيروت»، وتابع: «علها تكون امنة اكثر، علما باننا بتنا على يقين انه لم تعد هناك اي منطقة امنة».
واضاف ماهر: «السبب فيما الت اليه الامور هو اختباء عناصر (حزب الله) بين المدنيين، غير ابهين بتداعيات ذلك»، لافتا الى ان «الشخص لم يعد يشعر بالامان في بيته ومدينته، لانه لا يعرف من قد يكون في المبنى الذي يسكنه»، خصوصا انه «رغم كل محاولات المراقبة هم يستخدمون هويات مزورة، ما يخرج الامور عن القدرة على السيطرة».
سقوط الخطوط الحمراء
وانطلاقا من الوقائع الميدانية، يرى الخبير العسكري رياض قهوجي ان «الخطوط الحمراء سقطت، ولم يعد هناك اي منطقة امنة لا في بيروت ولا غيرها بالنسبة الى الاسرائيلي»، لافتا الى انه «سبق ان نقل عبر عدة جهات الى المسؤولين اللبنانيين ان الجيش الاسرائيلي سيطارد عناصر (حزب الله) وقيادييه، وسيستهدفهم في كل مكان، وفي كل المناطق اللبنانية التي يوجدون فيها»، محذرا من ان «يوم الاربعاء الدموي قد يتكرر في اي لحظة»، واضاف قهوجي ان «الخطوط الحمر الوحيدة هي التي وضعها الاميركي، وهي رفض استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية».
وفي تهديد ومؤشر واضح لهذا الواقع، كان المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي افيخاي ادرعي قد قال صراحة اثر الهجوم الاسرائيلي بمائة غارة في وقت واحد يوم الاربعاء: «(حزب الله) غادر معاقل الارهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت، والى المناطق المختلطة في المدينة»، وتوجه لهم بالقول: «لا يوجد مكان امن بالنسبة لكم، سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم اينما كنتم».
«الكتائب» تطالب بالتاكد من عدم وجود «حزب الله» بين المدنيين
في المقابل، ترتفع الاصوات في لبنان الرافضة لاستخدام المناطق السكنية، حيث عبر المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية»: «عن استيائه الشديد لتراخي الاجراءات الامنية التي تسمح باستعمال بعض المناطق ملاذا لتسلل مسلحين خارجين عن الشرعية»، مطالبا في بيان اثر الاجتماع الاسبوعي بـ «ضرورة انتشار الجيش والقوى الامنية في مختلف المناطق، وتشديد المراقبة والتدقيق، للتاكد من عدم وجود عناصر من تنظيم ميليشيات (حزب الله) المحظورة بين المدنيين».
كما جدد المطالبة بـ «ضرورة مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بنتائج التحقيقات في سلسلة الاحداث الامنية المرتبطة بالحرب، داعيا الدولة الى وضع الراي العام امام الحقائق كاملة، ومن دون اي مداراة، بما يعزز الثقة ويمنع تكرار هذه الماسى».





