تتجه مصر نحو تسوية كاملة لمديونيات شركات البترول الاجنبية بهدف الوصول الى "صفر مديونيات" بحلول منتصف العام الحالي، وذلك في خطوة تهدف الى تحفيز الاستثمارات في مجال التنقيب عن الطاقة وتعزيز الانتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وفقا لما اكده خبير في هندسة البترول.
وجاءت هذه الوعود المصرية بعد اعلان شركة "ايني" الايطالية عن اكتشاف حقل "دينيس غرب 1" للغاز، الذي وصفه الخبراء بانه "الاكبر منذ نحو 10 سنوات"، حيث يقدر احتياطياته بحوالي تريليوني قدم مكعبة من الغاز، بالاضافة الى 130 مليون برميل من المكثفات المصاحبة.
وبشر وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي، بنجاح الدولة المصرية في معالجة تحدي تراكم مستحقات شركاء الاستثمار، مبينا ان ذلك كان له تاثير مباشر على تدفق الاستثمارات وتراجع معدلات انتاج البترول والغاز.
واشار الوزير خلال لقاء نظمته "غرفة التجارة الاميركية" بالقاهرة، الى اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بهذا الملف، لافتا الى الالتزام بسداد المستحقات الشهرية وخفض المتاخرات، الامر الذي اسهم في تقليص اجمالي مستحقات الشركاء من 6.1 مليار دولار في نهاية يونيو 2024 الى نحو 1.3 مليار دولار، مع استهداف تسويتها بالكامل والوصول الى "صفر مديونيات" بنهاية يونيو المقبل، تمهيدا لاغلاق هذا الملف نهائيا.
وتتزامن خطط وزارة البترول لتكثيف انشطة البحث والتنقيب عن مشتقات الطاقة مع استراتيجية تهدف الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية بحلول عام 2030، حسبما افاد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
وكان ملف سداد المستحقات حاضرا في اجتماع عقده الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء ووزيري البترول والكهرباء، الاربعاء، حيث تطرق الاجتماع الى موقف القدرات الاضافية من المنتجات البترولية التي تم التعاقد عليها والجاري التعاقد عليها حاليا، بما يضمن تعزيز استقرار الشبكة القومية للكهرباء وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
واستعرض وزير البترول خلال الاجتماع الجهود المبذولة لسداد مستحقات الشركات العاملة وسداد كافة المتاخرات قبل نهاية يونيو المقبل، كما قدم عرضا للاكتشافات المحققة والاحتياطيات المضافة من الزيت والغاز وخطة الحفر الاستكشافي والتنموي خلال العام الحالي، بالاضافة الى المجهودات المبذولة لترشيد وخفض استهلاك المنتجات البترولية والغاز الطبيعي، وفقا لبيان صادر عن الرئاسة المصرية.
وتسعى مصر الى استعادة زخم الاكتشافات الذي تحقق مع الاعلان عن حقل "ظهر" العملاق في البحر المتوسط، وهو ما ترتب عليه زيادة الانتاج المحلي الذي يشهد انخفاضا مطردا منذ بلوغه ذروته في عام 2021، وفقا لبيانات وزارة البترول.
وتواجه مصر عجزا في احتياجاتها اليومية من المواد البترولية، حيث تغطي محليا نحو 60 في المائة من الاستهلاك، بينما تستورد 40 في المائة، بانتاج نفطي يقارب 500 - 550 الف برميل يوميا، وتتجاوز فاتورة استيراد الوقود والغاز 9.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، بحسب احصاءات حكومية.
ومع هذا العجز، وضعت الحكومة في اغسطس 2024 خطة تتضمن ربط سداد المتاخرات بزيادة الانتاج، لضمان استمرارية الاستثمار في قطاع الطاقة وتشجيع الشركات الاجنبية على ضخ المزيد من الاستثمارات لدعم عمليات التنمية وزيادة معدلات الانتاج.
ويرى استاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، ان مصر نجحت في استعادة ثقة شركات البترول الاجنبية، التي اصبحت لديها قناعة بوجود ارادة سياسية داعمة لمشروعات الاستكشافات الجديدة، الى جانب تعزيز الثقة مع وزارة البترول والهيئات التابعة لها التي تدخل معها في شراكات تنفيذية، وذلك بعد ان ذللت وزارة البترول خلال الاشهر الماضية العديد من العقبات امام خطط الاستكشاف الجديدة.
واضاف القليوبي ان ازمات نقص العملة الاجنبية والتاثيرات السلبية المترتبة على الحرب الروسية - الاوكرانية والازمات الجيوسياسية في المنطقة قادت لتفاقم ازمة المديونيات قبل ان تنجح القاهرة في سداد اكثر من 5 مليارات دولار خلال عام ونصف عام، الامر الذي انعكس على الانشطة الاستكشافية الاخيرة، مشيرا الى ان الشركات الاجنبية "تتحمل قدرا من المخاطرة كونها تدفع باستثمارات هائلة للتنقيب، وقد لا تكون هناك نتائج ايجابية مرجوة، وهو ما يتطلب تحفيزها باستمرار".
وعدد وزير البترول المصري المكاسب التي تحققت جراء الحوافز التي قدمتها وزارته، مبينا ان هذه الحوافز "ساعدت على اعادة تنشيط استثمارات البحث والاستكشاف والانتاج، بعد فترة من التباطؤ نتيجة تراكم المستحقات، حيث جرى العمل لخفض تكلفة انتاج البرميل لتعزيز الجدوى الاقتصادية وتشجيع استثمارات الشركاء".
واوضح الوزير ان وزارته "قدمت محفزات لزيادة جدوى عمليات استكشاف وانتاج الغاز وتطوير بنود الاتفاقيات وتمديد فترات العمل بها وتجديدها لضخ استثمارات جديدة وطرح فرص استثمارية جديدة بالقرب من مناطق الانتاج القائمة لزيادة الجدوى".
وتعمل في مصر 57 شركة في مجال البحث والاستكشاف والانتاج، من بينها 8 من كبريات الشركات العالمية و6 شركات مصرية متخصصة واكثر من 12 شركة عالمية تعمل في مجال الخدمات البترولية والتكنولوجية، وفقا لبيانات حكومية.
ويعتبر القليوبي ان قدرة مصر على مضاعفة مشروعات التنقيب عن البترول بمثابة شهادة ثقة في اقتصادها، وتوقع مزيدا من الاكتشافات المهمة في مناطق ما زالت بها احتياطات هائلة، بخاصة في شمال شرقي المتوسط وبعض مناطق البحر الاحمر.
ولفت الى ان الهدف هو مزيد من الاكتشافات الضخمة التي تضاهي حقل "ظهر" لتقليص فاتورة الاستيراد ومن ثم تحقيق اهداف حكومية تتعلق بتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتتبنى وزارة البترول المصرية خطة خمسية بالتعاون مع شركائها لزيادة الاكتشافات والانتاج، حسبما اكد وزير البترول الذي اشار الى ان شركة "ايني" الايطالية اعلنت خطة استثمارية بنحو 8 مليارات دولار، فيما اعلنت "بي بي" البريطانية خطة مماثلة بنحو 5 مليارات دولار و"اركيوس" الاماراتية بنحو ملياري دولار، الى جانب تعزيز "شل" العالمية لاستثماراتها في البحث عن الغاز وانتاجه في البحر المتوسط.





