في المنطقة الصناعية بشرق كابل، تدور عجلة الإنتاج في مصنع ملابس نسائية، حيث يعمل العشرات من الأفغان العائدين من الاغتراب في باكستان، ويمثل هذا المصنع، الذي نقل مؤخرا من كراتشي، بصيص أمل للكثيرين.
ويعد نقل المصنع إلى كابل انعكاسا لتوجه متزايد نحو إعادة الاستثمارات الأفغانية إلى الوطن، ويقول عبد الحكيم صالحي، المشرف الفني في المصنع: "نحن لا ننقل مصنعا فقط، بل ننقل تجربة كاملة". وأضاف أن العديد من التجار في كراتشي يراقبون هذه الخطوة، وإذا نجحت، فستشجعهم على الاستثمار في أفغانستان.
والمصنع ليس وليد اللحظة، بل يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 35 عاما في كراتشي، وبين صالحي أن العمال تم تدريبهم على مر السنين، وأن الفريق بأكمله تقريبا مكون من أفغان عادوا إلى وطنهم.
ويوظف المصنع ما بين 80 و100 شخص في مختلف الأقسام، من تشغيل الآلات إلى الخياطة والتجهيز، مما يعكس عملية إنتاج متكاملة وخبرة واسعة.
اللاجئون العائدون وفرص العمل
تشهد أفغانستان موجة عودة كبيرة للاجئين منذ أكثر من عام، وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن أكثر من 5.4 ملايين أفغاني عادوا منذ أكتوبر 2023، معظمهم من باكستان وإيران، وسط دعوات لتوفير الدعم العاجل لهم.
وبينت الأمم المتحدة أن نحو 270 ألف أفغاني عادوا منذ بداية العام الجاري، منهم 160 ألفا من باكستان و110 آلاف من إيران، مع استمرار تدفق العائدين يوميا.
وتزيد هذه الأعداد الكبيرة من العائدين الضغط على سوق العمل المحلي، الذي يعاني بالفعل من قلة الفرص وارتفاع البطالة، خصوصا في القطاعات الحرفية والصناعية، كما يصل العديد من العائدين دون مدخرات أو سكن، مما يزيد حاجتهم إلى فرص اقتصادية مستقرة.
وقال شعيب علي، وهو عامل في المصنع عاد من كراتشي بعد 5 سنوات: "عدت إلى بلدي بعد سنوات طويلة في الغربة، وكنت قلقا بشأن فرص العمل"، وأضاف أن العديد من أصدقائه عادوا معه، لكنهم لم يجدوا عملا حتى الآن، مشيرا إلى أن وجود مصنع كهذا يمثل فرصة حقيقية لهم لإعادة بناء حياتهم.
واكد علي على أن العمل في المصنع لا يوفر دخلا ثابتا فحسب، بل يمنح أيضا شعورا بالاستقرار والانتماء، مبينا أنهم يشاركون في جميع مراحل الإنتاج، من تشغيل الآلات إلى الخياطة وتجهيز الملابس.
الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي
لا يقتصر هدف المصنع على توفير فرص العمل للعائدين، بل يهدف أيضا إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات في قطاع الملابس النسائية.
ويقول غوث الدين صافي، أحد مسؤولي المصنع: "إذا استطعنا الإنتاج محليا، فلن نوفر فرص العمل فحسب، بل سنسهم أيضا في تقليل الاعتماد على الواردات وتقديم منتجات بجودة تنافسية"، واضاف أن كل مرحلة من مراحل الإنتاج مصممة لضمان الجودة والكفاءة، وأنهم يعملون على تدريب العمال باستمرار.
تحديات تواجه الإنتاج
يواجه المصنع العديد من التحديات التي تعيق توسيع نشاطه، ويقول مسؤولون في المصنع إن تأمين المواد الخام يمثل أحد أبرز هذه التحديات، حيث يتم استيراد جزء منها من الهند وإيران والصين، وتعرقل القيود على طرق النقل عبر باكستان وصولها بانتظام.
واوضح المسؤولون أن اللجوء إلى النقل الجوي، خاصة من الهند، يزيد تكاليف الشحن بشكل كبير، مما يؤثر على تكلفة الإنتاج وأسعار المنتجات النهائية.
كما أشاروا إلى أن انقطاع الكهرباء يمثل تحديا إضافيا، مما يؤدي إلى توقف الآلات وتأخير الإنتاج، ويضطر المصنع أحيانا إلى الاعتماد على المولدات، مما يزيد التكاليف التشغيلية.
الدعم الحكومي والتسهيلات
يقول المتحدث باسم وزارة التجارة والصناعة الأفغانية عبد السلام جواد آخندزاده إن الحكومة تعتبر عودة المصانع والاستثمارات من الخارج "فرصة اقتصادية مهمة" في ظل التحديات التي يواجهها سوق العمل.
واكد آخندزاده أن تشجيع الإنتاج المحلي يعد من أولويات الحكومة، لما له من دور في تقليل الاعتماد على الواردات وتوفير فرص العمل، مبينا أن الوزارة تعمل على تهيئة الظروف لعودة المستثمرين الأفغان وتوسيع نشاطهم، وتقديم التسهيلات اللازمة.
فرصة أم حل محدود؟
يقول الخبير الاقتصادي الأفغاني نصر الله فطرت إن هذه المشاريع تمثل "خطوة إيجابية لكنها محدودة"، موضحا أن استيعاب الأعداد الكبيرة من العائدين يتطلب توسيع قاعدة الاستثمار المحلي ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
واعتبر فطرت أن نقل الخبرات من الخارج يمكن أن يكون فرصة حقيقية للاقتصاد الأفغاني، لكن نجاح ذلك يعتمد على استثمار هذه الخبرات بشكل منظم وربطها بسياسات تدعم الإنتاج المحلي وتخلق بيئة عمل مستدامة.





