الاقتصاد العالمي في مهب الأزمات: لماذا الاهتزاز سريع والتعافي بطيء؟

الاقتصاد العالمي في مهب الأزمات: لماذا الاهتزاز سريع والتعافي بطيء؟

كشفت الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران عن خلل بنيوي في طريقة عمل الاقتصاد العالمي، فالنظام الاقتصادي شديد الترابط عبر الطاقة والتمويل وسلاسل الامداد، ولديه قدرة فائقة على نقل الصدمات بسرعة، ولكنه يفتقر الى السرعة نفسها عند اعادة التوازن.

واضافت ان مواجهة اقليمية تحولت في اسابيع قليلة الى ضغط متزامن على الاسعار والسيولة والتجارة والتوقعات عبر العالم، وهذا انعكاس واضح لطبيعة نظام اقتصادي تنقل فيه الخسائر بسرعة الشبكات التي تحملها، لا بسرعة الاقتصادات التي تحاول امتصاصها.

وفي هذا السياق، جاء تحذير صندوق النقد الدولي في 30 مارس ليعكس توصيفا دقيقا لطبيعة الصدمة، اذ اكد ان الحرب "تضعف افاق العديد من الاقتصادات" عبر قنوات الطاقة والتمويل والتجارة، مما يقود الى نتيجة شبه حتمية تتمثل في اسعار اعلى ونمو ابطا.

وبينت ان هذه النتيجة تعكس طبيعة النظام اكثر من حجم الحدث، اذ تنتقل الصدمات وفق ايقاع الشبكات التي تحملها، في حين تتعامل الاقتصادات معها بوتيرة ابطا بكثير.

من الصدمة الى الاقتصاد

تبدا الصدمة من نقطة تبدو واضحة، ولكنها في الواقع اكثر تعقيدا مما تظهر، فمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا اي قرابة خمس الاستهلاك العالمي، اضافة الى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لا يمثل مجرد ممر جغرافي بل نقطة تسعير مركزية للاقتصاد العالمي.

واوضحت ان هذا التركز يعني ان مجرد ارتفاع المخاطر حتى دون اغلاق فعلي يكفي لاعادة تسعير النفط والتامين والشحن في وقت واحد، لتتحول الصدمة بسرعة من حدث جيوسياسي الى ضغط تضخمي عابر للحدود.

وفي 19 مارس حذرت جولي كوزاك المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي من ان ارتفاع اسعار الطاقة بنسبة 10% قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويخفض النمو، في اشارة الى الحساسية المرتفعة للاقتصاد العالمي تجاه هذه القناة.

ومع انتقال الصدمة الى الاسواق المالية تتبدل طبيعتها، اذ تتحول الاسواق من عاكس للمخاطر الى مضاعف لها عبر اعادة انتاجها ضمن قنوات التسعير والائتمان، فقد اشارت رويترز في تقرير لها نهاية مارس الى ان ارتفاع عوائد السندات وتراجع الاسهم خلقا تشديدا ماليا فعليا قبل اي تحرك رسمي، مما ادى الى رفع تكلفة التمويل والضغط على الاستثمار والاستهلاك في وقت واحد.

وفي هذا السياق، قال دان كاتز النائب الاول لمدير صندوق النقد الدولي في 3 مارس ان استمرار حالة عدم اليقين قد يكون له تاثير واسع على التضخم والنمو، وهو ما يعكس ان الصدمة لا تنتقل فقط بل تتوسع عبر قنوات الائتمان والتسعير.

واكد ان هنا يتخذ عدم اليقين دورا اكثر عمقا، فمع تصاعد المخاطر تتحول قرارات الشركات والمستثمرين من التوسع الى الانتظار، ويتم تاجيل الاستثمار وتقليص الانكشاف على المخاطر.

وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي الى ان صدمات الطاقة قد تؤدي الى انفلات توقعات التضخم، مما يفرض ابقاء السياسات النقدية مشددة لفترة اطول، وبذلك يصبح التعافي مرتبطا بعودة القدرة على تسعير المستقبل بثقة لا بزوال الصدمة فقط.

ما بعد الصدمة ليس تعافيا

عندما تبدا الصدمة بالانحسار لا يعود الاقتصاد الى نقطة البداية، بل يدخل مرحلة مختلفة تحكمها القيود، فارتفاع اسعار الفائدة وتكاليف التمويل يضغط على ميزانيات الشركات والحكومات خصوصا في الاقتصادات الناشئة مما يدفعها الى تقليص الديون بدل التوسع.

واضافت انه في هذه البيئة لا يكون التعافي مسالة عودة الطلب بل مسالة استعادة القدرة على المخاطرة وهي عملية بطبيعتها تدريجية.

وفي الوقت نفسه تواجه السياسات الاقتصادية معضلة يصعب تجاوزها، فالتضخم هنا ليس ناتجا عن طلب مفرط بقدر ما هو تضخم مستورد عبر الطاقة مما يجعل ادوات السياسة النقدية اقل قدرة على احتوائه واكثر كلفة عند استخدامها.

واشارت الى ان هذا يضع البنوك المركزية امام خيارين كلاهما مكلف:

  • التشديد لكبح الاسعار.
  • او التيسير لدعم النمو.

وفي الحالتين تبقى كلفة القرار ممتدة زمنيا.

وفي 4 ابريل حذر صندوق النقد الدولي من "مخاطر جديدة كبيرة" رغم الحاجة الى استمرار التشديد في بعض الاقتصادات، مما يعكس محدودية هامش المناورة، اذ تتحول السياسة النقدية من اداة استقرار الى عامل يحد من سرعة التعافي.

واكدت ان اثار الصدمة لا تتوقف عند الطاقة او الاسواق بل تمتد الى الاقتصاد الحقيقي بشكل اوسع، فقد ارتفعت اسعار الغذاء عالميا وفق منظمة الاغذية والزراعة "فاو" في مارس مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة، كما سجلت اسعار الاسمدة زيادات حادة بحسب البنك الدولي.

وبهذا لا تبقى الازمة في قطاع واحد بل تمتد الى بنية الانتاج والدخل لتضغط على النمو والاستهلاك في الوقت نفسه خصوصا في الدول المستوردة للطاقة.

وفي هذا السياق يتخذ التعافي طابعا غير متزامن، اذ يتشكل عبر سلسلة من عمليات اعادة التوازن المتتابعة، فقد تنخفض الاسعار قبل عودة الائتمان، وقد يتحسن الائتمان قبل استعادة الثقة الاستثمارية، مما يفرض على التعافي ايقاعا ابطا بطبيعته من الازمة.

وتشير ابحاث صندوق النقد الدولي الى ان الصدمات الكبرى تترك اثارا طويلة الامد على الاستثمار والانتاجية، ولا يعود الاقتصاد الى مساره السابق بسهولة بل ينتقل الى مسار نمو اضعف واكثر حذرا.

اقتصاد لا يعكس مساره

تكشف الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران بوصفها صدمة جيوسياسية عن خاصية بنيوية في الاقتصاد العالمي، اذ يسرع هذا النظام انتقال الخسائر عبر قنواته المختلفة فيما تبقى قدرته على التعافي محدودة الى حد كبير.

واضافت انه عندما تتحرك الصدمة تنتقل عبر الطاقة والاسواق والتوقعات بسرعة متزامنة، لكن عندما تبدا بالانحسار لا يعود الاقتصاد على المسار ذاته، لان ما تضرر لم يكن العرض فقط بل الثقة والميزانيات وشهية المخاطرة.

واوضحت انه بهذا المعنى يتخذ التعافي طابع مرحلة جديدة، اذ تشكل اعادة فتح الممرات او تراجع الاسعار او توقف التصعيد تطورات جزئية ضمن مسار لا يعيد الاقتصاد الى وضعه السابق بعد ان يكون قد اعاد تسعير المخاطر وغير سلوك الفاعلين ورفع كلفة العودة الى التوسع.

واشارت الى انه لذلك يتخذ التعافي ايقاعا ابطا بطبيعته نتيجة اعتماده على اعادة بناء عناصر لا تتحرك بالسرعة نفسها التي انتقلت بها الصدمة، وهنا تتجاوز المفارقة مسالة سرعة الازمات والتعافي لتكشف اختلالا في اتجاه حركة الاقتصاد نفسه، اذ تصمم الياته لنقل الصدمة بكفاءة اعلى بكثير من قدرتها على عكسها.

ومع كل ازمة ينطلق الاقتصاد من قاعدة اضعف بثقة ادنى ومخاطر اعلى مما يطيل اثر الصدمات اللاحقة ويضاعف تعقيدها.