ازمة الهيليوم تهدد الذكاء الاصطناعي وقطر مركز الامدادات العالمي

ازمة الهيليوم تهدد الذكاء الاصطناعي وقطر مركز الامدادات العالمي

بينما يترقب العالم تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، تظهر ازمة في امدادات غاز الهيليوم، الذي يعتمد عليه الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.

والهيليوم، المعروف بقدرته على رفع البالونات، عنصر اساسي في صناعات مثل اشباه الموصلات، واجهزة الرنين المغناطيسي، وصواريخ الفضاء، ومكونات الطائرات المسيرة، ومن دونه، قد يتوقف العصر الرقمي.

واوضح تقرير حديث ان قطاع الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على قطر لتوفير الهيليوم الصناعي، حيث يعتبر الهيليوم منتجا ثانويا لاستخراج الغاز الطبيعي المسال، وقطر من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال، ما يجعلها مركزا رئيسيا للهيليوم في العالم.

واضاف التقرير انه مع توقف الامدادات القطرية، التي تمثل نحو ثلث الانتاج العالمي، بدات تظهر بوادر اضطراب في الاسواق، ورغم ان مصنعي الرقائق والمعدات الدفاعية لا يشعرون بالتاثير الفوري بسبب المخزونات المسبقة، الا ان الموردين بداوا باخطار عملائهم بتخفيضات محتملة في الكميات وفرض رسوم اضافية.

وحذر كليف كين، مدير الشؤون التجارية في شركة بولسار، من اننا امام حدث البجعة السوداء، مشيرا الى ان الازمة ستتحول الى سباق حول من سيتمكن من الحصول على جزيئاته ومن سيفشل.

مفارقة الندرة

وتكمن خطورة الهيليوم في طبيعته الفيزيائية واللوجستية، فهو ثاني اكثر العناصر شيوعا في الكون بعد الهيدروجين، لكنه نادر جدا على كوكب الارض، حيث يوجد بتركيزات ضئيلة داخل جيوب الغاز الطبيعي نتيجة لتحلل اشعاعي استغرق ملايين السنين.

وبين التقرير ان شركات الطاقة تقوم بفصله عن الميثان والنيتروجين، ثم شحنه سائلا فائق التبريد، وهي عملية تقنية معقدة لا يمكن تشغيلها او تعويض نقصها بضغطة زر، وبما ان انتاج الهيليوم مرتهن تقنيا بانتاج الغاز الطبيعي المسال، فان اي تعثر في صادرات الغاز القطرية يعني توقفا فوريا لانتاج الهيليوم، وهو ما لا يمكن سد فجوته من مصادر اخرى بسرعة، نظرا الى ان بناء منشات الفصل يحتاج الى سنوات من العمل المعقد.

واكد التقرير ان صدمة المعروض ادت الى تحول جذري في سلوك السوق، حيث وجد المشترون الذين يعتمدون عادة على عقود طويلة الاجل انفسهم يهرعون نحو السوق الفورية لتامين شحنات شحيحة، ما اشعل حرب مزايدة تسببت في تضاعف الاسعار باكثر من 100 في المائة.

وتعد كوريا الجنوبية، عملاق صناعة الرقائق، المتضرر الاكبر لاعتمادها الكثيف على الغاز القطري، حيث بدات سيول بالفعل التواصل مع المنتجين في الولايات المتحدة لتامين كميات اضافية، وفي خطوة تعكس عمق الازمة، اعلنت شركة ايرغاز الاميركية العملاقة حالة القوة القاهرة، مبلغة عملاءها انها لن تفي الا بـ50 في المائة من احتياجاتهم، مع فرض رسوم اضافية تصل الى 13.5 دولار لكل 100 قدم مكعبة فوق السعر المتعاقد عليه.

رئة الذكاء الاصطناعي... والبدائل المستحيلة

وفي قلب وادي السيليكون، يلعب الهيليوم دور المبرد الاستراتيجي في تقنية الليزر المستخدمة لحفر الدوائر المجهرية في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل انفيديا بلاكويل، فمن دون هذا التبريد، تتدمر الويفرات السيليكونية فورا.

وقال رالف غوبلر، مدير الابحاث في ستاندرد اند بورز غلوبال انرجي، ان صدمة الهيليوم تسلط الضوء على هشاشة بناء الذكاء الاصطناعي واعتماده المفرط على نقاط جيوسياسية مكشوفة، وفي ظل النقص الحالي، اضطر عمالقة مثل SK Hynix وتي إس إم سي للمفاضلة بين المنتجات وتوجيه الكميات المتاحة لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهامش الربحي العالي على حساب الالكترونيات الاستهلاكية، مما ينذر بقفزة في اسعار الهواتف والحواسيب عالميا.

الطب والفضاء في دائرة الخطر

واشار التقرير الى ان الضرر لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل القطاع الطبي ايضا، حيث يحتاج كل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي الى الاف اللترات من الهيليوم السائل للتبريد، وقد ادى النقص المستمر الى ارتفاع تكلفة الفحوصات الطبية عالميا، مما يهدد كفاءة التشخيص في المستشفيات الكبرى.

واكد التقرير انه على صعيد استكشاف الفضاء، تستخدم مركبات اطلاق الصواريخ الهيليوم لضغط خزانات الوقود، وحاليا، تخضع جداول اطلاق الصواريخ لعدد من شركات الفضاء الخاصة للمراجعة، مما قد يؤخر مهام استراتيجية وبعثات دولية كانت مبرمجة مسبقا.

سباق ضد التبخر

وبين التقرير انه الى جانب التحديات الجيوسياسية، يواجه الهيليوم عدوا زمنيا، فالحاويات الكريوجينية المتطورة تملك فترة صلاحية تتراوح بين 35 و48 يوما فقط قبل ان يبدا الغاز بالتبخر والضياع في الفضاء نتيجة ارتفاع الضغط، وحاليا، توجد مئات الحاويات عالقة في مياه المنطقة، مما يعني ضياع كميات هائلة من هذا المورد غير المتجدد.

واختتم التقرير ان ازمة الهيليوم الحالية تثبت حقيقة قاسية: المستقبل الرقمي الذي نراه في السحابة يعتمد في جوهره على استقرار ممرات مائية مادية هشة، واذا استمر اغلاق مضيق هرمز وتوقف منشات راس لفان القطرية التي قد يستغرق اصلاح اضرارها 5 سنوات، فان ثورة الذكاء الاصطناعي قد تضطر الى دخول مرحلة سبات قسري ما لم ينجح العالم في ابتكار طرق ابداعية لتدوير هذا الغاز النادر او ايجاد بدائل استراتيجية لتامين سلاسل التوريد.