مع تصاعد وتيرة التطورات التكنولوجية في المجال العسكري، أدرك العالم أن الحروب لم تعد تعتمد فقط على الأسلحة التقليدية، بل أصبحت تدار بشكل متزايد عبر الشفرات البرمجية والبيانات، حيث لم يعد التفوق العسكري مقتصرا على امتلاك ترسانة أسلحة متطورة، بل تجاوزه إلى ما يمكن وصفه بـ"ثورة خوارزمية" صامتة، مما يشير إلى أن العالم قد تجاوز بالفعل نقطة اللاعودة في مجال عسكرة الذكاء الاصطناعي.
وبينما يحتفي الخبراء بقدرة الآلات على معالجة البيانات، يوجه البروفيسور توبي والش، الخبير العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، تحذيرا شديدا، مبينا أننا انتقلنا من مرحلة "الذكاء المعاون" إلى مرحلة "الخوارزميات السيادية" التي تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات.
عصر الحروب المؤتمتة
واوضح والش أن العالم يشهد تحولا جذريا في مفهوم الحرب، فالجيوش باتت تعتمد بشكل كبير على أنظمة معالجة البيانات الضخمة لتحديد الأهداف العسكرية، وأشار إلى أن أبرز مظاهر التوظيف التقني في الصراعات الحديثة يتمثل في استخدام خوارزميات متطورة لتحليل كميات هائلة من المعلومات الاستخباراتية، وتقديم توصيات فورية بشأن الأهداف المحتملة.
واضاف أن الأنظمة المؤتمتة قادرة على اختيار السلاح المناسب وتحديد التوقيت الأمثل للهجوم بناء على حسابات دقيقة لاحتمالات النجاح وتقليل الخسائر، وبين أن ذلك أدى إلى تسريع وتيرة النزاعات، فالذكاء الاصطناعي يقلص دورة اتخاذ القرار إلى أجزاء من الثانية، مما يجعل الحرب أسرع من قدرة القادة البشريين على الاستيعاب أو التراجع.
المعضلة الأخلاقية والقانونية.. غياب "الفرامل" البشرية
وحذر والش من أن تسليم "مفاتيح الحرب" للآلات يثير تحديات تقنية وأخلاقية معقدة، موضحا أن الآلات تفتقر إلى "الذكاء العاطفي" والقدرة على ممارسة "التقدير الأخلاقي" في المواقف الميدانية المعقدة.
وقال والش بلهجة تحذيرية: "يجب أن نشعر بقلق بالغ، فالآلات لا تمتلك صفاتنا الإنسانية، ولا تعرف التعاطف، والأخطر من ذلك أنه لا يمكن مساءلتها عن الأخطاء"، وأعرب عن خشيته من أن يتحول الواقع إلى سيناريوهات مشابهة لأفلام الخيال العلمي، حيث تدار الحروب بالكامل بواسطة أنظمة مؤتمتة.
اتفاقية جنيف للذكاء الاصطناعي
وفي سياق متصل، كشف والش عن تحركات دولية في جنيف تهدف إلى وضع أطر قانونية ملزمة للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، مشيرا إلى أن الفكرة المطروحة حاليا هي معاملة "الذكاء الاصطناعي العسكري" تماما كالأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وتقييد استخدامه بشدة لمنع انزلاق البشرية نحو سيناريوهات كارثية.
واشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب يمثل "إثبات مفهوم" لجيل جديد من الصراعات، مبينا أن المجتمع الدولي يواجه لحظة حاسمة، فإما أن ينجح في وضع "أكواد أخلاقية" ملزمة لهذه البرمجيات، أو أننا سنواجه مستقبلا تدار فيه الحروب بواسطة خوارزميات لا تعرف الندم ولا تخضع للمساءلة.





