انتقلت تأثيرات الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران من نطاق الجغرافيا السياسية الى قلب السياسات الاقتصادية، بعدما تحولت الى صدمة متعددة الاتجاهات اعادت تشكيل اولويات البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى.
فبدلا من التركيز على توقيت خفض اسعار الفائدة دعما للنمو، باتت المؤسسات النقدية امام معادلة اكثر تعقيدا تتعلق بكيفية احتواء التضخم الناتج عن صدمات العرض، دون التسبب في ركود اعمق او اضطرابات مالية اوسع.
وأسفرت قفزة اسعار الطاقة وتعطل مسارات الامداد وارتفاع كلفة النقل والتامين عن اعادة تسعير المخاطر الاقتصادية، مما دفع صناع السياسات الى تبني نهج اكثر حذرا.
صدمة نقدية
وتعكس الاوضاع الراهنة تحولا في طبيعة الضغوط التضخمية التي تواجهها البنوك المركزية، اذ لم يعد التضخم ناتجا عن زيادة الطلب فحسب، بل بات يرتبط بما يصفه استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة بـ"صدمة عرض".
ويشير عجاقة في حديث للجزيرة نت، الى ان ارتفاع اسعار النفط اسهم في تغذية التضخم بشكل مباشر، وهو ما يستدعي نظريا تشديد السياسة النقدية عبر رفع اسعار الفائدة، غير ان هذه الاستجابة تنطوي على معضلة، اذ ان رفع الفائدة في الظروف الحالية قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤدي الى سحب السيولة من الاسواق.
فرفع اسعار الفائدة يسهم في احتواء التضخم، لكنه في المقابل يضغط على الاستثمار والائتمان والنشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التريث او خفض الفائدة الى مخاطر ترسخ الضغوط السعرية وتأكل مصداقية البنوك المركزية.
وتبدو هذه المعادلة اكثر حساسية في اوروبا، حيث ادى ارتفاع اسعار الطاقة الى ضغوط على عوائد السندات الحكومية، وسط مخاوف من اتساع الاعباء المالية في حال اضطرت الحكومات الى توسيع برامج الدعم.
وفي 20 مارس، سجلت عوائد السندات الالمانية لاجل عشر سنوات اعلى مستوياتها منذ ازمة منطقة اليورو في 2011، في مؤشر على انتقال اثر الحرب الى اسواق الدين والسيولة وكلفة التمويل، خاصة في الاقتصادات الاكثر اعتمادا على الطاقة المستوردة.
واضاف عجاقة ان الواقع الحالي يضع البنوك المركزية امام معضلة مزدوجة، إما كبح التضخم على حساب النمو، أو الحفاظ على النشاط الاقتصادي مع مخاطر ترسخ التضخم، ويوضح ان الاحتياطي الفدرالي قد يميل الى التريث، خاصة ان اثر الفائدة يتاخر، بينما قد تكون صدمة النفط مؤقتة، في حين تواجه اوروبا وضعا اكثر هشاشة بسبب اعتمادها الاكبر على الطاقة المستوردة، مما يجعلها اقرب الى سيناريو "الركود التضخمي".
تضخم مستورد
ولا يعني تريث الفدرالي تراجع الضغوط، بل يعكس انتقال السياسة النقدية من مسار التيسير المتوقع الى وضع دفاعي اكثر تحفظا، فقد حذر صندوق النقد الدولي من ان الحرب افرزت صدمة عالمية غير متكافئة تجمع بين ارتفاع الاسعار وتباطؤ النمو وتشديد الاوضاع المالية، مع تحمل الاقتصادات المستوردة للطاقة في اوروبا واسيا العبء الاكبر.
وتتسق هذه التقديرات مع ترجيح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في تقريرها الصادر في مارس، تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي الى 2.9% في عام 2026، مقابل ارتفاع التضخم في دول مجموعة العشرين الى نحو 4%، مع توقع بلوغ التضخم في الولايات المتحدة 4.2% تحت ضغط صدمة الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو ان الحرب نقلت الاقتصاد العالمي الى مرحلة "تضخم مستورد" ناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتامين، وليس عن اختلالات نقدية داخلية.
ويشير شعبو في حديث للجزيرة نت، الى ان "رفع الفائدة في هذه الحالة لا يعالج اصل المشكلة، بل يضغط على النمو"، مضيفا ان البنوك المركزية باتت امام وضع "لا تستطيع فيه خفض الفائدة بسهولة، ولا تستطيع رفعها دون تكلفة"، في ما يشبه الوقوع بين خيارين كلاهما مكلف.
ويوضح ان ارتفاع النفط ينعكس مباشرة على مؤشر الاسعار، مما يدفع البنوك المركزية الى تاجيل خفض الفائدة او حتى التفكير في التشديد، لكن مع ادراك ان اثر هذه السياسات لن يكون فوريا، بل قد يظهر بعد اشهر، حين يكون الاقتصاد قد بدا بالفعل في التباطؤ.
انتقال العدوى
لكن التحول الاهم، وفق شعبو، هو ان ترتيب الاولويات داخل البنوك المركزية قد تغير، فبعد ان كان الهدف الاساسي هو خفض الفائدة ودعم النمو، اصبحت الاولوية الان "للاستقرار المالي اولا، ثم احتواء التضخم، ثم تجنب الركود"، ويعكس ذلك ادراكا متزايدا بان الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الاسعار، بل في انتقال العدوى الى النظام المالي.
ويشرح شعبو هذا المسار قائلا ان "الخطر ليس في الحدث نفسه بل في انتقال العدوى"، اذ يؤدي ارتفاع الطاقة الى تضخم، ثم الى ضغوط على الفائدة، مما ينعكس على السندات والقروض، ويؤدي الى خسائر في ميزانيات البنوك وزيادة التعثر، ومن ثم تقلبات في الاسواق وهروب رؤوس الاموال.
وفي هذا الاطار، اعلنت مجموعة السبع في 30 مارس استعدادها لاتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لضمان استقرار اسواق الطاقة والحد من التداعيات الاقتصادية، مع التاكيد على ان السياسات النقدية ستظل معتمدة على البيانات دون الالتزام المسبق بمسار محدد.
سيولة طارئة
وعليه، تشير المعطيات الى ان المرحلة المقبلة ستتسم بمزيج من التثبيت الحذر للفائدة، وتوسيع ادوات السيولة عند الحاجة، مع احتمال قبول مستويات تضخم اعلى مؤقتا لتجنب ركود اعمق، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.
هذا التحول في سلوك البنوك المركزية ينعكس ايضا على الاسواق المالية، التي بدات تتكيف جزئيا مع بيئة جديدة تتسم بارتفاع العوائد، وقوة الدولار، وزيادة التقلبات.
فارتفاع اسعار النفط بنحو 30 الى 60 دولارا للبرميل منذ بداية الحرب لم يرفع التضخم فقط، بل ضغط على انفاق المستهلكين، ورفع تكاليف الانتاج، في وقت تشير فيه تقديرات غولدمان ساكس الى احتمال ركود في الاقتصاد الامريكي يقترب من 30% في 12 شهرا.
وفي هذا السياق، يوضح عجاقة ان السياسات النقدية باتت تتراوح بين ثلاثة سيناريوهات: التشدد عبر رفع الفائدة لكبح التضخم، او التيسير الانتقائي عبر ضخ السيولة دون خفض كبير للفائدة، او القبول بتضخم اعلى مؤقتا للحفاظ على النمو.
وفي موازاة ذلك، بدات بعض البنوك المركزية في استخدام احتياطياتها من الذهب لتوفير السيولة او دعم العملات المحلية، اذ تراجعت احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التركي بنحو 50 طنا في اسبوع واحد الى 772 طنا، في اكبر انخفاض اسبوعي منذ عام 2018، وذلك بهدف دعم الاستقرار المالي.
وينظر الى هذا التوجه بوصفه اجراء مؤقتا لادارة السيولة، وليس تحولا استراتيجيا في مكانة الذهب، اذ تعكس هذه الخطوات حاجة ملحة لتامين العملات الصعبة وتمويل الواردات الاساسية والدفاع عن استقرار العملة.
ويرى عجاقة ان السبب الرئيسي لذلك هو الحاجة الملحة الى السيولة، موضحا ان "بعض البنوك المركزية بدات تبيع جزءا من ذهبها لتغطية ديونها او للدفاع عن عملتها"، خاصة مع توجه المستثمرين نحو الدولار في اوقات الازمات.
ويضيف ان الحكومات تحتاج ايضا الى تمويل واردات الطاقة والغذاء والادوية في ظل ارتفاع الاسعار، مما يدفعها الى استخدام الذهب اداة للسيولة، وليس التخلي عنه بصفته خيارا استراتيجيا.
من جانبه يوضح شعبو ان ما يحدث "ليس تخليا عن الذهب بقدر ما هو اعادة توظيف مؤقتة"، مشيرا الى ان بعض الدول، مثل تركيا، لجأت الى بيع جزء من احتياطياتها لدعم العملة وضبط الكتلة النقدية في مواجهة مخاطر التضخم.





