النقل البري السعودي يعزز الإمدادات ويواجه تحديات الاقتصاد العالمي

النقل البري السعودي يعزز الإمدادات ويواجه تحديات الاقتصاد العالمي

في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها الاقتصاد العالمي نتيجة لاضطرابات الممرات المائية، نجح قطاع النقل البري والسككي في السعودية في إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية، ليتحول من مجرد ممر تجاري إلى محور توزيع سيادي قادر على إدارة الأزمات بكفاءة عالية.

وكشف خبراء لوجستيون أن التسهيلات التنظيمية الأخيرة التي قدمتها الهيئة العامة للنقل ساهمت في توفير سعة فورية استطاعت احتواء ما بين 40% و60% من العجز في إمدادات السلع الأساسية، مما عزز مكانة المملكة كصمام أمان لوجستي للمنطقة.

وتجسدت هذه المكانة في مجموعة من القرارات التنظيمية الاستباقية، شملت إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير، وتمديد العمر التشغيلي للشاحنات إلى 22 عاما لمدة 6 أشهر، والسماح بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج، إضافة إلى إطلاق مبادرة مناطق التخزين الخليجية في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وتوسيع تشغيل قطارات الحاويات التي تنقل أكثر من 2500 حاوية يوميا.

ويرى المختصون أن هذه التحركات لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل استجابة استراتيجية في ظل الضغوط الناتجة من أزمة مضيق هرمز، مما مكّن السعودية من إدارة الخدمات اللوجستية في أصعب أوقات الأزمات العالمية، وتحويل موانيها ومنصاتها البرية رئةً تتنفس من خلالها الأسواق المجاورة.

سعة فورية بشروط الكفاءة

ويرى الخبير اللوجيستي حسن ال هليل أن تمديد العمر التشغيلي للشاحنات يُعدّ استجابة تنظيمية مرنة لضغوط السوق، إذ يتيح ضخ سعة تشغيلية إضافية دون الحاجة إلى استثمارات جديدة، وقد يرفع القدرة التشغيلية للاسطول بنسبة تتراوح بين 10% و18% على المدى القصير، ويخفض تكاليف النقل بنسب تصل إلى 15%، بما يسهم في تقليص فجوة العرض والطلب ودعم استقرار الأسعار.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التوجه يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على الكفاءة التشغيلية، في ظل ارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة للشاحنات الأقدم، إضافة إلى زيادة احتمالات الأعطال، وهو ما قد يرفع التكلفة الإجمالية للنقل على المدى المتوسط إذا لم يتم ضبطه، ويؤكد أن تحقيق التوازن يتطلب رقابة فنية صارمة لضمان الحفاظ على ما بين 80% و90% من كفاءة الشاحنات، إلى جانب تسريع برامج الإحلال التدريجي نحو أساطيل حديثة أكثر كفاءة وأقل انبعاثا.

من جانبه، يصف الخبير اللوجيستي نشمي الحربي القرار بأنه تكتيك لإدارة الأزمات بامتياز، يهدف إلى ضخ سعة فورية في السوق عبر الاستفادة من أسطول ضخم قائم، مؤكداً أن التوازن لا يتحقق عبر تقييد العمر التشغيلي بحد ذاته، بل عبر ربطه بالفحص الفني الصارم، بما يضمن استمرارية التشغيل دون الإخلال بمعايير السلامة والاستدامة.

كسر احتكار السعة

وفي قرار تنظيمي جديد، أعلنت الهيئة العامة للنقل إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير للمنشآت المرخصة بشكل مؤقت حتى سبتمبر المقبل، في خطوة تستهدف رفع كفاءة استخدام الأصول التشغيلية وتعزيز مرونة السوق.

وفي هذا الإطار، أشار ال هليل إلى أن القرار يعزز كفاءة استخدام الأصول داخل السوق، من خلال إدخال أساطيل الشركات الخاصة إلى منظومة النقل العام، ما يرفع العرض الكلي لخدمات الشحن بنسبة قد تصل إلى 25%، ويزيد من معدل استغلال الأصول التشغيلية بنحو 30%، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض تكاليف النقل بنسب تتراوح بين 8% و15%.

كما يسهم هذا التحسن في تقليل تقلبات الأسعار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالنقل مثل الغذاء والسلع الاستهلاكية، حيث يمكن أن يحدّ من التذبذب السعري بنسبة تصل إلى 12%، فضلاً عن دوره في كبح الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن، وفق ال هليل.

أما الحربي، فيرى أن القرار ذهب أبعد من ذلك، إذ كسر احتكار السعة في السوق، وحوّل كل منشأة تملك أسطولاً إلى مزود محتمل لخدمات النقل، ما قلّل الرحلات الفارغة ورفع كفاءة التشغيل، وأسهم في امتصاص ما وصفه بـ التضخم المستورد، ومنع انتقال آثار أزمة هرمز إلى المستهلك النهائي.

النقل السككي و الحلقة المفقودة

لم يقتصر التحرك على الطرق الإسفلتية، بل امتد لتعزيز الربط السككي، حيث أصدرت الهيئة تراخيص لشركة الخطوط الحديدية السعودية (سار) لتشغيل قطارات الحاويات في محطات إضافية، وتعمل هذه القطارات حالياً على نقل أكثر من 2500 حاوية قياسية يومياً، مع تدشين ممر لوجستي دولي يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية.

ولكن رغم هذا التقدم، يشير ال هليل إلى وجود ما يسميه الحلقة المفقودة التي تعيق مضاعفة هذه الأرقام، والمتمثلة في ضعف تكامل البنية التحتية الطرفية، ومحدودية الطاقة الاستيعابية للمحطات، إضافة إلى تحديات الجدولة بين المواني والقطارات، ونقص الأصول التشغيلية، فضلاً عن الاعتماد المستمر على الشاحنات في الميل الأخير.

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، مختصراً التحدي في عقدتين رئيسيتين، هما الربط الأخير بين محطات القطار والمستودعات والتكامل الزمني بين تفريغ السفن وتحميل القطارات، مؤكداً أن اكتمال مشروع الجسر البري شرق غرب سيشكل الحل الجذري لتقليل الاعتماد على الشاحنات وتخفيف الضغط عن النقل البحري.

الامن الغذائي اولوية

في خطوة تعكس أولوية الأمن الغذائي، سمحت الهيئة بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج لنقل السلع سريعة التلف، وهو ما يراه ال هليل إجراءً يعزز كفاءة النقل المبرد ويقلل الهدر التشغيلي، متوقعاً أن يسهم في تغطية ما بين 15% و35% من فجوة الإمدادات، مع إمكانية ارتفاع النسبة إلى 40% في الظروف الحرجة.

في المقابل، يصف الحربي القرار بأنه شريان حياة، متوقعاً أن يغطي ما بين 40% و60% من العجز في تدفق الأغذية والأدوية، خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على الواردات بنسبة تتجاوز 80%، مشيراً إلى أن مواني البحر الأحمر تحولت فعلياً نقطةَ انطلاق رئيسية لتغذية الأسواق الخليجية.

موانئ من التخزين الى العبور

وفي ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، برزت مبادرة مناطق التخزين الخليجية كأحد أهم أدوات تنظيم التدفقات، من خلال تخصيص مناطق تشغيلية لكل دول مجلس التعاون، مع إعفاء من رسوم التخزين لمدة تصل إلى 60 يوماً.

ويرى ال هليل أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على إدارة تشغيلية متقدمة تشمل التخطيط المسبق، وأنظمة إدارة الساحات الذكية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وربط الميناء بشبكات النقل، بما يضمن انسيابية الحركة ويمنع التكدس.

بينما يؤكد الحربي أن الإعفاء قد يتحول تحدياً إذا لم يُدَر بكفاءة، مشدداً على أهمية تطبيق إدارة ساحات ديناميكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب التخليص المسبق قبل وصول السفن، عاداً أن تخصيص المساحات لكل دولة يخلق ما يشبه مواني جافة سيادية، ويحول الميناء من نقطة تخزين إلى منصة عبور إقليمي سريعة.

عائد اقتصادي يتجاوز المستهدف

اقتصادياً، لا يقتصر أثر هذه التحركات على استمرارية الإمدادات، إذ يؤكد ال هليل أنها تسهم في رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط حركة إعادة التصدير، وخفض التكاليف التشغيلية، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية.

بينما يرى الحربي أن العائد الأكبر يتجاوز المؤشرات المباشرة، رغم تسجيل نمو في مناولة الحاويات بنسبة 10.6% لتصل إلى 8.3 مليون حاوية في 2025، مؤكداً أن الأثر الأهم يتمثل في ترسيخ مكانة السعودية كـ صمام أمان لوجستي للمنطقة، ما يعزز ثقة المستثمرين العالميين ويدعم مستهدفات رؤية 2030.

وفي المحصلة، تكشف هذه التسهيلات عن أن السعودية لم تكتفِ بإدارة أزمة طارئة، بل أعادت تشكيل دورها في خريطة التجارة الإقليمية عبر منظومة نقل متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات فرصاً، وترسيخ موقعها مركزاً لوجيستياً يربط بين القارات ويؤمّن تدفق السلع في أصعب الظروف.