أستراليا والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاقية تجارة حرة تاريخية

أستراليا والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاقية تجارة حرة تاريخية

وقع الاتحاد الأوروبي واستراليا اليوم اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، وذلك بعد مفاوضات استمرت ثماني سنوات، وتاتي هذه الخطوة في ظل سعي الطرفين لتعزيز الشراكة الاقتصادية والدفاعية لمواجهة حالة عدم اليقين المتزايدة في التجارة العالمية.

وتزامن توقيع الاتفاق مع زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الى أستراليا، حيث يسعى الطرفان لمواجهة التحديات المتزايدة في قطاع الطاقة، خصوصا في ظل الحرب في الشرق الأوسط.

وتعد هذه الاتفاقية جزءا من جهود بروكسل لتنويع شراكاتها التجارية، وذلك في ظل الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة والصين، وقد نجح الجانبان في تجاوز نقاط الخلاف الرئيسية، بما في ذلك استخدام الاسماء الجغرافية الاوروبية وحصص صادرات لحوم الابقار الاسترالية الى الاسواق الاوروبية.

وفي خطابها أمام البرلمان الأسترالي، وصفت فون دير لاين العالم بأنه أكثر قسوة ووحشية، مشددة على أهمية التعاون بين الجانبين للحد من الاعتماد المفرط على موردين محددين، في إشارة ضمنية إلى الصين.

وقالت فون دير لاين إنه لا يمكن الاعتماد بشكل مفرط على أي مصدر للمكونات الحيوية، مؤكدة أن أمن أوروبا هو أمن أستراليا، وأنه من خلال الشراكة الأمنية والدفاعية الجديدة سيتم دعم بعضنا بعضا.

ووُصفت الاتفاقية بأنها صفقة عادلة تحقق مكاسب متبادلة للشركات في كلا الجانبين، مع توقعات بزيادة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى أستراليا بنحو الثلث خلال عقد.

وعلى صعيد الأرقام، صدرت شركات الاتحاد الأوروبي سلعا الى استراليا بقيمة 37 مليار يورو خلال العام الماضي، إضافة الى خدمات بقيمة 31 مليار يورو في عام 2024، وفي المقابل تتوقع استراليا أن تضيف الاتفاقية نحو 7.8 مليار دولار استرالي الى ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

وتبقى الصين أكبر سوق لصادرات أستراليا، في حين تعد الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار فيها، إلا أن كانبرا كثفت جهودها لتنويع أسواقها منذ النزاع التجاري مع بكين عام 2020، والذي أدى الى تعطل صادرات زراعية لعدة سنوات، إضافة الى تداعيات الرسوم الجمركية الاميركية الاخيرة.

وبالمثل، يسعى الاتحاد الاوروبي الى توسيع شبكة شراكاته التجارية في ظل القيود الصينية والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

وقد طغت تداعيات الحرب في الشرق الاوسط على زيارة فون دير لاين، مع ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مما أعاد تسليط الضوء على هشاشة أمن الطاقة العالمي.

وفي هذا السياق، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية الصراع بأنه تذكير صارخ بنقاط ضعف أوروبا، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية في ظل الوضع الحرج الذي تواجهه سلاسل إمداد الطاقة عالميا.

كما تأثرت أستراليا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، بضغوط أزمة الطاقة العالمية، ما يعزز أهمية هذه الشراكة الجديدة في مواجهة التحديات المستقبلية.

أبرز بنود الاتفاقية التجارية الجديدة

كانت المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة قد انطلقت عام 2018، قبل أن تنهار في 2023 بسبب تمسك الاتحاد الأوروبي بموقفه الرافض لتوسيع وصول المنتجات الزراعية الأسترالية، ولا سيما لحوم الأبقار والاغنام، الى أسواقه.

وتأتي اتفاقية اليوم بوصفها حلا وسطا بين الطرفين، فبموجبها سترتفع حصة لحوم الأبقار الأسترالية المسموح بدخولها الى الاتحاد الأوروبي الى أكثر من عشرة أضعاف مستواها الحالي خلال العقد المقبل.

وتبلغ الحصة الجديدة 30 ألفا و600 طن، منها 55 في المائة من اللحوم المعتمدة على الاعلاف الطبيعية تدخل معفاة من الرسوم الجمركية، في حين تفرض رسوم مخفضة بنسبة 7.5 في المائة على 45 في المائة منها، وسيتم تطبيق ثلث هذه الحصة خلال السنوات الخمس الاولى، قبل بلوغ المستوى الكامل لاحقا.

ويعد هذا الرقم أقرب الى مطلب الاتحاد الاوروبي البالغ 30 ألف طن، مقارنة بمطلب أستراليا الذي بلغ 40 ألف طن، وهو ما شكل نقطة خلاف محورية خلال المفاوضات.

توقعات بزيادة الانتاج والجدل الزراعي

من المتوقع أن يثير الاتفاق استياء واسعا لدى نقابات المزارعين الأوروبيين، فقد حذرت منظمة كوبا كوجيكا سابقا من أن الاتفاق قد يفرض عبئا غير متناسب على المزارعين داخل الاتحاد.

وفي المقابل، لم يخف المزارعون الأستراليون خيبة أملهم، إذ يرى رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين هاميش ماكنتاير أن الاتفاق لم يحقق تقدما ملموسا مقارنة بالعرض الذي رفضته كانبرا في عام 2023، مضيفا أن الوصول الى الاسواق لا يزال دون المستوى المطلوب.

كما ينص الاتفاق على تخصيص حصة تبلغ 25 ألف طن من لحوم الأغنام والماعز الأسترالية، يتم إدخالها تدريجيا على مدى سبع سنوات.

ورغم هذه التحفظات، وصف تيم هاركورت كبير الاقتصاديين في جامعة سيدني للتكنولوجيا الاتفاق بأنه إيجابي للغاية للمصدرين الأستراليين بشكل عام.

حقوق التسمية والمؤشرات الجغرافية

شكلت حقوق التسمية إحدى أبرز نقاط الخلاف، في ظل تمسك أوروبا بحماية المؤشرات الجغرافية لمنتجاتها الغذائية، وبموجب الاتفاق سيسمح لاستراليا باستخدام بعض الاسماء الجغرافية مثل فيتا وغرويير، شريطة أن يكون المنتجون قد استخدموا هذه التسميات لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

وفي المقابل، سيتعين على بعض المنتجات تغيير أسمائها، مثل أوزو وفونتينا الأستراليين.

تعزيز نفاذ الصادرات الأوروبية

سيحصل المزارعون الأوروبيون والشركات على فرص أوسع لدخول السوق الأسترالية، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات رئيسية تشمل الجبن والفواكه والخضراوات والشوكولاتة.

ووفقا لرئيسة المفوضية الأوروبية، فإن هذه الخطوة ستوفر نحو مليار يورو سنويا للمزارعين الأوروبيين من الرسوم الجمركية.

الرسوم على المركبات

كان الاتحاد الأوروبي يسعى الى إلغاء ضريبة السيارات الفاخرة في أستراليا، التي تبلغ 33 في المائة على المركبات التي تتجاوز سعرا معينا، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل.

وبدلا من ذلك، نص الاتفاق على رفع الحد الأدنى الخاضع لهذه الضريبة الى أكثر من 120 ألف دولار أسترالي للسيارات الكهربائية، مما يعفي نحو 75 في المائة من السيارات الكهربائية الأوروبية.

كما سيتم إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 5 في المائة على جميع واردات السيارات الأوروبية، في خطوة تهدف الى خفض التكاليف وتعزيز الطلب على المركبات الكهربائية، دعما لأهداف الحياد الكربوني.

المعادن الحيوية

يشمل الاتفاق أيضا جانبا استراتيجيا يتعلق بالمعادن الحيوية اللازمة للتقنيات النظيفة، مثل توربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية.

وفي ظل هيمنة الصين على إنتاج هذه المعادن وتهديدها بتقييد الإمدادات في سياق التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، تسعى أوروبا الى تنويع مصادرها.

وبموجب الاتفاق، ستحصل دول الاتحاد الأوروبي على وصول أفضل الى موارد أستراليا من الألمنيوم والليثيوم والمنغنيز، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات هذه المعادن.