الصين تعزز التعاون الأفريقي وتتوعد المكسيك بإجراءات تجارية

الصين تعزز التعاون الأفريقي وتتوعد المكسيك بإجراءات تجارية

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يظهران استراتيجيتها التجارية الجديدة في ظل بيئة دولية مضطربة، فمن جهة تعمل على توسيع شراكاتها الاقتصادية مع أفريقيا، ومن جهة أخرى تتخذ موقفا صارما تجاه القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها، وفي خطوة لافتة، أعلنت بكين عن استعدادها لتعزيز التعاون مع الكاميرون في مجالات حيوية مثل البنية التحتية والطاقة والزراعة، وذلك بالتزامن مع إعلان كينيا عن استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، وفي المقابل، أكدت وزارة التجارة الصينية على حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد قرارها رفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية.

وهذا التزامن يعكس اتجاها واضحا في السياسة الاقتصادية الصينية، حيث تسعى لتعويض الضغوط في بعض الأسواق الخارجية من خلال تعزيز حضورها في الأسواق النامية، خاصة في أفريقيا، مع الاحتفاظ بحق الرد التجاري في مواجهة ما تعتبره إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن وجهة نظر الصين، لم تعد القارة الأفريقية مجرد شريك سياسي أو منطقة نفوذ جيوسياسي، بل أصبحت سوقا واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالا حيويا لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وابرز الاعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يدل على استمرار التركيز على القطاعات التقليدية التي كانت أساس الوجود الاقتصادي الصيني في أفريقيا، فالبنية التحتية توفر للشركات الصينية فرصا كبيرة للتنفيذ والتمويل، والطاقة تعتبر قطاعا حيويا في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية لتحسين الأمن الغذائي وزيادة الإنتاجية.

واضاف ان اختيار هذه القطاعات الثلاثة معا يعكس رؤية صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

اتفاق كينيا

وفي شرق أفريقيا، أضافت كينيا بعدا آخر لهذا التوسع، فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، وذلك بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 بالمئة من صادرات كينيا إعفاء من الرسوم عند دخولها السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطورا مهما بالنسبة لنيروبي، التي تسعى لتقليل العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بشكل أكبر من السوق الصينية الضخمة، وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعتبر أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مبينا أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، خاصة في ظل اختلال الميزان التجاري لصالح بكين، كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى، بزيادة تتجاوز 15 بالمئة عن العام السابق.

صرامة مع المكسيك

لكن الجانب الآخر من التحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك، فقد كشفت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها المكسيك تمثل عوائق أمام التجارة والاستثمار، واكدت أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة، ووفقا للتقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء، ويبدو أن قطاع السيارات وقطع الغيار هو الأكثر تضررا، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية، وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، خاصة في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة، وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 بالمئة على معظم المنتجات، ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي بدورها شددت القيود التجارية على السلع الصينية، ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصاديا، يظهر هذا المشهد أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية بمرونة أكبر، فهي من جهة تسعى لترسيخ وجودها في أفريقيا عبر اتفاقيات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة، ومن جهة أخرى تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها، وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تكون السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية في المرحلة المقبلة، وفي النهاية، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة، فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقا جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف لحماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطا كبيرة، وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.