يسعى العلماء منذ سنوات لتطوير علاجات فعالة للسمنة، تركز على تقليل الشهية دون التأثير سلبا في طاقة الجسم وكتلته العضلية، ورغم التقدم المحرز في الأدوية الحديثة، لا تزال التحديات قائمة بشأن الآثار الجانبية المحتملة أو فقدان التوازن الأيضي.
وفي هذا السياق، يتجه البحث العلمي بشكل متزايد نحو استكشاف الطبيعة، بحثا عن نماذج بيولوجية تقدم حلولا مبتكرة وأكثر دقة.
الافاعي كنموذج استثنائي
من بين هذه النماذج، لفتت الأفاعي انتباه العلماء، لقدرتها الاستثنائية على التعامل مع الغذاء، فبعض أنواع الثعابين تستهلك وجبات ضخمة تعادل حجمها تقريبا، ثم تبقى لفترات طويلة دون طعام، مع الحفاظ على وظائف الجسم بشكل طبيعي.
وهذا السلوك الفريد دفع الباحثين لمحاولة فهم الآليات التي تسمح لها بتنظيم الشهية والطاقة بهذه الكفاءة.
وكشفت دراسة علمية حديثة، نشرت في دورية نيتشر ميتابوليزم (Nature Metabolism)، عن وجود جزيء في دم الأفاعي، يمكن أن يكون أساسا لتطوير جيل جديد من أدوية إنقاص الوزن.
وتركز الدراسة، التي قادها باحثون من جامعات ستانفورد وكولورادو وبايلور، على فهم كيفية تعامل الأفاعي مع وجبات ضخمة دون أن تفقد توازنها الأيضي.
واعتمدت الدراسة على تحليل دم أنواع من الثعابين، خصوصا "الأصلة البورمية"، قبل تناول الطعام وبعده، بهدف تتبع التغيرات الكيميائية التي ترافق عملية الهضم.
وعند دراسة ما يحدث داخل جسم الأفعى بعد تناول الطعام، تبين أن هناك تغيرات سريعة وكبيرة في عمليات الأيض، إذ يرتفع معدل حرق الطاقة بشكل ملحوظ، وتعمل الأعضاء الحيوية بكفاءة أعلى لهضم الوجبة، وهذه التغيرات لا تحدث بشكل عشوائي، بل تنظمها شبكة معقدة من الإشارات الكيميائية التي تنتقل عبر الدم.
اكتشاف جزيء pTOS
ولفهم هذه العملية بشكل أعمق، حلل الباحثون مكونات دم الأفاعي قبل التغذية وبعدها، وقد كشف هذا التحليل عن مئات المركبات التي يتغير تركيزها بعد تناول الطعام، لكن أحد هذه المركبات كان الأكثر إثارة للاهتمام، ويعرف هذا الجزيء باسم "pTOS"، وقد لوحظ أن مستواه يرتفع بشكل كبير جدا بعد الأكل مقارنة بحالة الصيام.
وعندما اختبر العلماء هذا الجزيء على حيوانات تعاني من السمنة، كانت النتائج لافتة، فقد أدى إلى تقليل كمية الطعام التي تتناولها هذه الحيوانات، وساهم في فقدان الوزن، دون أن يسبب انخفاضا في النشاط أو فقدانا في الكتلة العضلية.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعالج إحدى أبرز مشكلات أدوية السمنة الحالية، التي قد تؤثر أحيانا على طاقة الجسم أو بنيته العضلية.
استهداف مباشر للدماغ
وتشير الدراسات الأولية إلى أن هذا الجزيء يعمل بطريقة مختلفة عن معظم الأدوية المتوفرة حاليا، فبدلا من التأثير على المعدة أو إبطاء عملية الهضم، يبدو أنه يستهدف مباشرة مناطق في الدماغ مسؤولة عن تنظيم الشعور بالجوع والشبع، وهذا يعني أنه قد يساعد على تقليل الرغبة في تناول الطعام من المصدر، أي من الإشارات العصبية نفسها.
ومن النقاط التي تعزز أهمية هذا الاكتشاف أن هذا المركب ليس غريبا تماما عن جسم الإنسان، بل يوجد فيه بكميات صغيرة، ويرتفع بشكل طبيعي بعد تناول الطعام، وهذا الأمر قد يسهل تطويره مستقبلا كعلاج؛ لأنه يعتمد على آلية موجودة أصلا في الجسم، وليس على إدخال مادة غريبة بالكامل.
وفي المقابل، تعتمد معظم أدوية السمنة الحالية على التأثير في الجهاز الهضمي أو الهرمونات المرتبطة به، ورغم فعاليتها، فإنها قد تسبب آثارا جانبية مثل الغثيان أو اضطرابات الهضم، أما هذا الاكتشاف الجديد، فيطرح احتمال تطوير علاج يعمل بطريقة أكثر توازنا، عبر تنظيم الشهية دون التأثير الكبير في بقية وظائف الجسم.
ومع ذلك، لا يزال هذا المسار البحثي في مراحله الأولى، فقد أجريت التجارب حتى الآن على الحيوانات فقط، ولم تبدأ بعد الدراسات السريرية الواسعة على البشر، وهذا يعني أن الطريق لا يزال طويلا قبل التأكد من فعالية هذا الجزيء وأمانه للاستخدام الطبي.
تحديات متوقعة
ويشير الباحثون إلى أن التحديات المقبلة تشمل تحديد الجرعات المناسبة، وفهم التأثيرات طويلة المدى، والتأكد من عدم وجود آثار جانبية غير متوقعة، كما أن نجاح النتائج في الحيوانات لا يضمن بالضرورة تكرارها بالشكل ذاته لدى البشر، وهو ما يستدعي المزيد من الحذر والدراسة.
ورغم هذه التحفظات، يعكس هذا الاكتشاف اتجاها مهما في البحث العلمي، يقوم على الاستفادة من النماذج الطبيعية لفهم الجسم البشري بشكل أعمق، فبدلا من تطوير أدوية تعتمد فقط على كبح الشهية بطرق تقليدية، يتجه العلماء إلى محاولة "إعادة ضبط" آليات الجوع نفسها، بما يحقق توازنا أفضل بين الحاجة إلى الغذاء والحفاظ على الصحة.
واذا اثبتت هذه النتائج فعاليتها في المستقبل، فقد نشهد جيلا جديدا من ادوية السمنة يعتمد على تنظيم دقيق للشهية، دون التاثير في الطاقة او الكتلة العضلية، وهو ما قد يمثل تحولا مهما في طريقة التعامل مع واحدة من اكثر المشكلات الصحية انتشارا في العالم.
-
-
-
-
-
الانتقال الآمن من الصيام للإفطار2026-03-22
