شهدت أسواق المعادن الثمينة تحولات مفاجئة، حيث سجلت موجة بيع واسعة النطاق وتسارع في هبوط الأسعار، وذلك بعد فترة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة محط أنظار المستثمرين.
في يوم وصف بـ «الخميس الاسود»، انخفضت العقود الآجلة للذهب والفضة بشكل حاد، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة، أي ما يعادل 289 دولارا للأونصة، بينما فقدت الفضة حوالي 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط، واستمرت أسعار الذهب في التراجع، مسجلة أسوأ أداء أسبوعي منذ 15 عاما، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية.
ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ عام 2008، ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعا بنسبة تزيد على 5 في المائة، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل تصاعد التوترات.
أسباب تراجع الذهب كملاذ آمن
ولكن لماذا تتراجع الملاذات الآمنة في وقت تشتد فيه الأزمات الجيوسياسية؟
يكمن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع في تغير توقعات التضخم وتلاشي الآمال في خفض أسعار الفائدة العالمية، ففي حين يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت التوترات إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية.
وأشارت المصارف المركزية إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائدا، ودفع المستثمرين نحو السندات التي توفر دخلا ثابتا ومغريا في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.
تخارج الصناديق الاستثمارية
لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال المستثمرين الأفراد، فلليوم السادس على التوالي، سجلت البيانات تخارجا صافيا للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم، ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية سابقة، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في التحول النفسي للمستثمرين.
ويعكس هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية تحولا جذريا في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذا لا يقهر، فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات مرتفعة، بدأ يدرك أن الذهب بات ضحية لتوقعات التضخم بدلا من أن يكون وسيلة للتحوط ضده، ويعني هذا الفتور في الشهية أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون تسييل مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائدا ثابتا، مما يضع ضغوطا إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.
البيع الاضطراري وتغطية الخسائر
ويرى محللون أن جزءا كبيرا من هذا التخارج الصافي ليس ناتجا عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة حاجة ماسة للسيولة في أسواق أخرى متعثرة، فمع تراجع أسواق الاسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كحصالة طوارئ لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات هامش الربح من قبل الوسطاء، ويثبت هذا النوع من البيع القسري أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.
الأموال الذكية
وبالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد، ففي الكواليس، بدأت الأموال الذكية - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير، ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لتسييل الأرباح وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات هامش الربح، وبحسب خبراء السلع، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخيا.
البنوك المركزية ودورها الاستراتيجي
في المقابل، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازنا، فوفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي، استمر بنك الشعب الصيني في الشراء، حيث أضاف نحو 25 طنا، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد، ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصا في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.
دخول لاعبين جدد إلى السوق
لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية، فقد شهد دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ، فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية، كما سجل بنك ماليزيا أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات، ويشير هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كفرصة شراء لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.
ورغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج الانتظار والترقب في الأشهر المقبلة، فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلا من زيادة حيازاتها من الذهب، ومع ذلك، يظل التوقع العام هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة، مما يوفر أرضية صلبة تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.
عدوى الهبوط تطال معادن أخرى
لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم، كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي، فرغم إغلاق المضايق الحيوية، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى تدمير الطلب، مما جعل التحوط بالمعادن خيارا أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.





