مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، يبرز العراق كأحد أكثر الدول الإقليمية تأثرا، مما ألقى بظلاله على مظاهر الاحتفال بعيد الفطر هذا العام، حيث تشهد المراكز التجارية الكبرى ركودا غير مسبوق.
يعتمد العراق بشكل كبير على إيرادات النفط، إذ تفوق 90% من موازنته السنوية متأتية من صادرات النفط، في حين تستهلك الرواتب والنفقات الحكومية ما بين 65% و70% من هذه الإيرادات، حسبما أوضح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح.
ومع توقف الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتصدير نحو 20% من نفط العالم، والمنفذ الرئيسي لصادرات النفط العراقية التي تقدر بنحو 3.6 ملايين برميل يوميا، يواجه العراق أزمة اقتصادية متصاعدة، وفقا لشركة النفط العراقية "سومو".
واضافة إلى توقف الصادرات النفطية، يواجه العراق حرمانا من تصدير نفطه منذ أكثر من أسبوعين، الأمر الذي يهدد التدفقات المالية للخزينة العامة ويثير مخاوف العراقيين بشأن رواتبهم.
واكد مظهر محمد صالح أن الرواتب مؤمنة بالكامل، مشيرا إلى أن العراق يمتلك احتياطيا نقديا يتجاوز 92 مليار دولار، ما يمثل حصنا اقتصاديا للبلاد.
ووصف الخبير الاقتصادي أنمار العبيدي الوضع في البلاد بأنه "شائك جدا" بسبب الحرب على إيران، مبينا أن الوضع المالي يعاني أساسا من نقص السيولة وارتفاع العجز وعدم إقرار الموازنة، إضافة إلى غياب حكومة قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية جريئة.
واكد العبيدي أن المشكلة تتجاوز توقف تصدير النفط لتشمل قطاعات أخرى، موضحا أن العجز المالي كان يقدر بنحو 30 مليار دولار قبل الحرب، لكنه سيرتفع بشكل غير متوقع إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
واضاف أن العراق قد يخسر يوميا قرابة 11 مليون دولار شهريا بسبب توقف الملاحة البحرية والجوية، وإغلاق المجال الجوي، إضافة إلى خسائر المطارات وسلطة الطيران المدني وقطاع النقل والخدمات اللوجستية والجمارك.
تأثر الأسواق العراقية وتراجع القوة الشرائية
بات التأثير واضحا على الأسواق العراقية وتوفر البضائع، وكذلك إقبال العراقيين على الشراء، لا سيما في فترة عيد الفطر، فعلى غير المعتاد، لم تشهد الأسواق الرئيسية في المدن العراقية الإقبال المعتاد، ولا يمكن مقارنة الوضع التجاري بما كان عليه قبل شهر رمضان.
وفي بغداد، يلاحظ المار في مراكز التسوق تراجع عدد المتسوقين إلى النصف مقارنة بما كان عليه قبل شهر، ويؤكد تاجر الملابس حسين محمد هذا الواقع، مشيرا إلى أن الحرب أثرت على الحركة التجارية، وأن هناك تخوفا واضحا من قبل الناس، مع اتجاه للحد من شراء الكماليات.
واشار محمد إلى أن الكثير من العائلات اقتصرت على شراء ملابس للأطفال فقط، موضحا أن المخزونات أوشكت على النفاد، وأن إغلاق مضيق هرمز حال دون وصول سفن الشحن، ما كبد التجار خسائر فادحة.
وفي الموصل، أكد رجل الأعمال زيد أسامة أن البضائع بدأت تشح من الأسواق، لا سيما الملابس والمواد المنزلية، مع ارتفاع أسعارها بنسبة لا تقل عن 20% نتيجة توقف الملاحة وارتفاع سعر صرف الدولار.
واوضح أسامة أنه رغم فتح الحدود العراقية التركية، إلا أن التجار يتخوفون من الاستيراد بسبب الوضع غير المستقر، وأي تطور في الحرب قد يؤدي لإغلاق الحدود.
وقال متسوقون في سوق النبي يونس إن شراء حاجيات العيد بات محصورا في المواد الغذائية الضرورية ومتطلبات الأطفال، خوفا من تبعات الحرب واحتمال انقطاع الرواتب.
وقالت سمية خضير "لم نشتر أي احتياجات غير ضرورية، نحاول تلبية متطلبات العيد للأطفال فقط، لا نعلم ما الذي قد يحصل في الأيام القادمة، قد تنقطع الرواتب ونحن مضطرون لشراء وتخزين المواد الغذائية الضرورية فقط، والبدء في مرحلة التقشف".
تحديات توافر المواد الغذائية وارتفاع الأسعار
وفيما يتعلق بالمواد الغذائية، قال تاجر المواد الغذائية بالجملة باسم علي إنها لا تزال متوفرة، إلا أن هناك تخوفا من تراجع سلاسل إمداداتها إذا استمرت الحرب وإغلاق مضيق هرمز، لا سيما تلك المستوردة من دول شرق آسيا.
واشار علي إلى أن المواد الغذائية مثل الألبان والأجبان والفواكه والخضراوات الإيرانية توقف استيرادها منذ إعلان إيران عن حظر تصديرها للخارج، وباتت شحيحة في الأسواق مع ارتفاع أسعارها بما لا يقل عن 50%.
واوضح أنه رغم وجود أصناف منافسة من تركيا والأردن ومصر، فقد ارتفعت أسعار جميع المواد الغذائية ما بين 10% و20% نتيجة توقف سلسلة الإمدادات وبدء استنفاد المخازن وتأثر الاقتصاد المحلي وسعر الصرف.
واكد الأمين العام لغرفة التجارة المشتركة بين العراق وإيران جهان شيرازي أن التجارة بين البلدين نمت عام 2024 إلى 12 مليار دولار سنويا، مع ميل الميزان التجاري لصالح إيران بنحو 11.3 مليار دولار.
ويرجع علي سبب الارتفاع لعاملين:
- مواجهة المواد المستوردة عن طريق الموانئ مشكلتين بالنظام الجمركي الجديد (الإسكودا) الذي بدأ العراق تطبيقه قبل شهرين، إضافة إلى توقف الملاحة والموانئ العراقية بسبب الحرب.
- تخوف التجار من الاستيراد بصورة عامة سواء من تركيا أو الأردن؛ فالوضع الأمني والاقتصادي غير مستقر تماما، وفق التاجر البغدادي.
وفي غضون ذلك، قال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور مصطفى حنتوش إن غالبية التجارة مع إيران هي لمواد غذائية يمكن تعويضها عبر تركيا والأردن، أما ما يتعلق بملف استيراد الغاز فإنه قد توقف بسبب تعرض حقول الغاز الإيراني لهجمات أمريكية وإسرائيلية وأدى لتراجع معدلات تجهيز الطاقة الكهربائية في العراق.
وعن تأثير الحرب على المواطن العراقي اقتصاديا، يرى حنتوش أن القدرة الشرائية لم تتأثر حتى الآن واقتصرت على محدودية إنفاق العراقيين بسبب مخاوفهم من الحرب واحتمالية توقف الرواتب، مبينا أنه في حال استمرت الحرب، فإن هناك مشكلة كبيرة ستواجه البلاد، وتتمثل بتعطّل تصدير النفط العراقي منذ 19 يوما وانحساره لأقل من مليون برميل، في حين أن البلاد كانت تصدر نحو 3.6 ملايين برميل يوميا بعائدات تربو على 250 مليون دولار في اليوم الواحد.
وفي حديثه، لم يخف حنتوش تخوفه على الاقتصاد العراقي، داعيا الحكومة إلى الحصول على استثناء من إيران لاستئناف الصادرات النفطية، موضحا أن الوضع الاقتصادي للعراق لا يمكن مقارنته بدول الخليج العربي.
ويرى حنتوش أنه يتوجب على الحكومة التحرك والعمل على تصدير النفط عبر الأنابيب والشاحنات إلى الدول المجاورة بما لا يقل عن مليون ونصف مليون برميل يوميا لمحاولة تعويض جزء من الخسائر المترتبة على توقف موانئ التصدير.
تأثيرات مباشرة للحرب على إيران بدأ العراقيون يستشعرون تبعاتها مبكرا، إذ إن البلاد التي كانت تعاني أساسا من مشكلات اقتصادية وتراكم الفساد المالي سنوات طويلة، وجدت نفسها فجأة في أتون حرب بدأت تضرب بقوة في اقتصادها في انتظار ما ستؤول إليه هذه الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع.





