بات استهداف مدينة راس لفان القلب النابض لصناعة الغاز المسال عالميا ومنشات نفطية وحيوية في دول الخليج يشكل تحولا جذريا يهدد امن الطاقة وينذر بشل الامدادات من منطقة تعد لاعبا رئيسيا في سوق الطاقة ومزودا موثوقا لمنتجات تدخل في كل تفاصيل الاقتصاد العالمي كما يرى محللون.
فالخليج لم يعد مجرد منطقة لانتاج النفط والغاز فحسب بل مركزا اقتصاديا استراتيجيا تتقاطع فيه تجارة الطاقة وسلاسل الامداد الصناعية واسواق الاسمدة والبتروكيماويات.
لماذا يتم ضرب المنشات النفطية الخليجية؟
تعرضت عدة مرافق للغاز الطبيعي المسال بمدينة راس لفان الصناعية لهجمات صاروخية تسببت في حرائق واضرار جسيمة كما تعرضت المدينة لهجوم اصاب مصنع تحويل الغاز الى سوائل باضرار جسيمة وفق ما اعلنت شركة قطر للطاقة.
وفي ابو ظبي سقطت شظايا نتيجة عملية اعتراض صواريخ استهدفت منشاة حبشان للغاز وحقل باب بينما تم تعليق العمليات في المنشاة.
وفي السعودية دمرت الدفاعات الجوية صواريخ باليستية اطلقت باتجاه العاصمة الرياض سقط احدها قرب مصفاة جنوب الرياض في حين تم اعتراض وتدمير مسيرات حاولت الاقتراب من احد معامل الطاقة في المنطقة الشرقية للبلاد.
اما في الكويت فقد تعرضت احدى الوحدات التشغيلية في مصفاة ميناء الاحمدي التابعة لشركة البترول الوطنية الكويتية الى هجوم بطائرة مسيرة مما ادى الى اندلاع حريق محدود في تلك الوحدة.
وجاءت هذه الضربات بعد استهداف اسرائيل منشات مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في ايران وسط تحذير من خطورة ضرب منشات النفط والغاز في المنطقة وتكلفته العالية على الاسواق والاقتصاد العالميين.
وتسعى ايران من خلال هذه الاستهدافات الى ممارسة مزيد من الضغط على الاسواق وعلى الدول لحمل امريكا على وقف الحرب تجنبا لمزيد من الاضرار بالاقتصاد العالمي كما يقول محمد رمضان المستشار السابق لوزير المالية الكويتي.
واضاف رمضان للجزيرة نت ان هذه الاستهدافات تشكل جزء من استراتيجية معلنة لدى طهران منذ البداية وليست سرا للضغط على امريكا لايقاف الحرب مبينا ان ضرب منشات المنطقة يسبب ضررا كبيرا للاقتصاد العالمي وهذا ما تسعى اليه ايران تحديدا.
واوضح رمضان ان طهران لا تستطيع تدمير منشات نفطية بعيدة عنها فلجات الى ضرب منشات الخليج القريبة للتاثير على الاسواق وعلى العالم ككل.
واحدثت الضربات على مدينة راس لفان ومنشات خليجية اخرى رجة في اسواق الطاقة العالمية فقد ارتفعت اسعار النفط اكثر من 7% وتجاوز سعر خام برنت 116 دولارا للبرميل في حين واصل سعر البنزين في الولايات المتحدة الارتفاع وسجل متوسط سعر التجزئة اعلى مستوى له منذ اكتوبر 2022 حسبما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
وحسب وكالة الصحافة الفرنسية ايضا فقد ارتفعت اسعار الغاز في اوروبا باكثر من 30% بعد هجوم ايران على منشات الغاز في قطر.
اما البورصات الاسيوية فتراجعت بحدة تحت ضغط ارتفاع اسعار النفط وسجلت مؤشراتها انخفاضا بلغ في بعض الاحيان 3%.
ما الذي يعنيه قصف مدينة راس لفان للاقتصاد العالمي؟
- تعد مدينة راس لفان الصناعية القلب النابض لصناعة الغاز المسال في العالم.
- تعمل في هذه المدينة العديد من الشركات العالمية العاملة في مجال الغاز الطبيعي.
- تبلغ مساحة مدينة راس لفان الصناعية 295 كيلومترا مربعا وتشكل القاعدة البرية لمعالجة الغاز والمواد الهيدروكربونية الاخرى التي تنتجها المنشات البحرية في حقل الشمال.
- تضم المدينة ميناء راس لفان اكبر مرفق في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال ويتسم بالقدرة على استقبال اكبر سفن العالم لنقل الغاز المسال وغيرها من سفن نقل المنتجات السائلة كما تذكر بيانات شركة قطر للطاقة.
- تعد قطر ثاني اكبر مصدر للغاز المسال في العالم وتنتج 77 مليون طن سنويا ويستخدم هذا الوقود في توليد الكهرباء ومختلف الصناعات حول العالم وتسعى قطر لرفع حجم انتاجها الى 142 مليون طن وبذلك ستستحوذ على 40% من امدادات الغاز عالميا كما صرح بذلك وزير الدولة لشؤون الطاقة في قطر سعد بن شريده الكعبي بداية شهر فبراير الماضي.
- تعالج مصفاة راس لفان بشكل اساسي المكثفات لانتاج منتجات مكررة بما في ذلك وقود الطائرات.
هنا تبرز اهمية هذه المدينة للاقتصاد العالمي من الصناعة الى الزراعة الى قطاع النقل والكهرباء وسوق الاسمدة والبتروكيماويات واي استهداف لمنشاتها سيتردد صداه في الاسواق ويهدد الامن الطاقي العالمي حسب ما يؤكد محللون.
ورغم ذلك تؤكد قطر التزامها بان تبقى موردا موثوقا للطاقة كما صرح سعد بن شريده الكعبي.
ويؤكد الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات بشركة فورتريس للاستثمار مصطفى فهمي ان الاقتصاد العالمي وتحديدا الصيني يعتمد كثيرا على الغاز القطري واي تاثر للامدادات سيعني بالضرورة ضربة لهذا الاقتصاد.
وبين فهمي للجزيرة نت ان الصين تعتمد على قطر في الحصول على 30% من احتياجاتها من الغاز لذلك فان اي تعطل في الامدادات سيؤثر على ثاني اكبر اقتصاد في العالم ويخلق ارتدادات بباقي الاقتصادات الاخرى فالصين تعد مركزا للصناعة العالمية حسب وصفه.
اما بلومبيرغ فتشير الى ان اسيا النامية تعد الاكثر تعرضا لصدمة الغاز التي خلفها استهداف مدينة راس لفان اذ تشتري 4 اخماس صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال.
وتذكر بلومبيرغ ان استمرار توقف مجمع راس لفان القطري اكبر منشاة لانتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم يحرم السوق يوميا من كميات ضخمة من الطاقة في اول انقطاع للامدادات من الموقع منذ 3 عقود.
وكل يوم يتوقف فيه مجمع راس لفان يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي في وقت لا تملك فيه سوق الغاز طاقة فائضة كبيرة ولا احتياطيات استراتيجية كافية ولا بدائل سهلة وسريعة لتعويض النقص كما تحذر بلومبيرغ.
ويؤكد محللون لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية ان الهجوم على راس لفان قد يتسبب في نقص دائم في الغاز العالمي اعتمادا على حجم الضرر فهذه المدينة مسؤولة عن نحو خمس امدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتنقل الصحيفة عن سول كافونيك محلل الطاقة لدى ام اس تي فايننشال قوله ان الهجوم قد يؤدي الى نقص عالمي مستدام في الغاز وان تاثيره قد يمتد لاشهر او حتى سنوات في حال استغرق اصلاح الاضرار وقتا طويلا.
اما توم مارزيك مانسر من شركة وود ماكنزي فيحذر من ان تضرر القدرة الانتاجية في راس لفان يعني ان توازن سوق الغاز سيصبح اكثر ضيقا.
هل يستطيع العالم تحمل كلفة استهداف اقتصادات الخليج؟
رسمت دول الخليج لنفسها مسارا تنمويا واقتصاديا راكمت خلاله نجاحات كبيرة جعل منها رقما مهما في بنية الاقتصاد العالمي ليس فقط بصفتها موردا للنفط والغاز بل على صعيد امداد اسواق العالم بالاسمدة وعدد من المنتجات والمشتقات البترولية التي لا غنى للصناعة والزراعة العالمية عنها.
وقد نمت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل ملفت اذ تطورت صناعاتها النفطية واصبحت تتماشى مع متطلبات الاقتصاد العالمي مما عزز من اهمية هذه المنطقة في معادلة تحقيق استقرارالاقتصاد العالمي وتامين الامدادات وتكريس امن الطاقة كما يقول محمد رمضان للجزيرة نت.
وحققت دول الخليج معدلات نمو قوية حتى في اصعب اللحظات التي مر بها الاقتصاد العالمي سواء مع الازمة المالية العالمية او ازمة كورونا وغيرهما.
واعتبر صندوق النقد الدولي في تقرير له شهر ديسمبر الماضي ان دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على تعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات العالمية.
وقبل الحرب توقع الصندوق ان يسجل الاقتصاد القطري في عام 2026 نموا بنسبة 6.1% بدعم من قطاع الطاقة وتوسعة حقل غاز الشمال.
وعلى صعيد دول الخليج توقع الصندوق تحقيق اقتصاداتها نموا بـ4.3% في 2026 وهو اعلى من المعدل المتوقع للاقتصاد العالمي والمقدر بـ3.3%.
وتحولت منطقة الخليج ايضا الى مصدر جذب للاستثمارات الخارجية لتطوير صناعاتها وتنويع اقتصاداتها كما تحولت الى منطلق لضخ فوائض مالية كبيرة عبر صناديقها السيادية وشركاتها الكبرى في شريان اسواق المال وبنية الاقتصاد العالميين.
هنا يحذر المحلل مصطفى فهمي من ان تضطر دول الخليج تحت تاثير تداعيات الحرب الى سحب جزء من السيولة من اسواق المال والسندات معتبرا ذلك بمثابة انذار للاسواق العالمية.
هل من مصلحة العالم ان تتضرر اقتصادات الخليج؟
يقول المحلل مصطفى فهمي جوابا على هذا السؤال ان العالم يعتمد على الخليج في جزء كبير من احتياجاته من الطاقة سواء تعلق الامر بالنفط او الغاز خاصة من قطر والسعودية او المشتقات النفطية الاخرى بل ويعتمد على المنطقة في تامين امدادات الاسمدة ومنتجات اخرى ذات اهمية بالغة للصناعة في العالم واي محاولة للاضرار بهذه الاقتصادات هو اضرار بالعالم ككل كما يضيف فهمي.
ويحذر من ان اي استمرار في الاضرار بامدادات الطاقة من هذه المنطقة سيزيد من ارتفاع الاسعار ويدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي قد تكون اقسى من تلك التي شهدها العالم خلال ازمة جائحة كورونا وابان انطلاق الحرب الروسية الاوكرانية.
ويرى المحلل مصطفى فهمي انه على العالم بقيادة امريكا والصين واوروبا ان يتحمل مسؤوليته في ضمان استقرار اقتصادات الخليج لتضطلع بدورها في امن الطاقة العالمي وتزويد الاسواق بما تحتاجه من منتجات والا ستكون هذه الحرب تلك الشرارة التي ستشعل ازمة في العالم يتحمل الجميع كلفتها من المصنع الصغير في الصين الى المزارع في الاكوادور.





