صدمة التضخم تهز الاقتصاد الأمريكي وتثير قلق الفيدرالي

صدمة التضخم تهز الاقتصاد الأمريكي وتثير قلق الفيدرالي

تستمر تداعيات التضخم في الولايات المتحدة للشهر الجاري، لتشكل بذلك صدمة اقتصادية مؤثرة تلقي بظلالها على النقاشات السياسية وتوجه السياسات الوطنية.

ويحاول مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي جاهدين إعادة معدل زيادة الأسعار إلى النسبة المستهدفة وهي 2 في المئة، بعد الإخفاقات المتتالية في تحقيق ذلك.

وعندما أثار التضخم المتراجع في بداية جائحة كوفيد-19 مخاوف من حدوث انكماش خطير في الأجور والأسعار، اعتبر تجاوز الأسعار نسبة 2 في المئة في مارس 2021 مؤشرا إيجابيا.

وكان مسؤولو الفيدرالي يخططون لدعم هذا الاتجاه الناشئ عبر الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة.

وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي في ذلك الشهر: "نريد التضخم عند 2 في المئة وليس على أساس مؤقت"، في تصريح تحذيري ما زال يتردد صداه في أروقة البنك المركزي.

وتوقع المصرفيون أن يظل التضخم أعلى من الهدف خلال ذلك العام، ولكن ليس بفارق كبير، وأنهم سينتظرون قبل أي محاولة لتهدئة الاقتصاد عبر رفع أسعار الفائدة حتى يتأكدوا من استمرارية الارتفاع.

واستمر التضخم في التسارع، وبنهاية العام، كان مؤشر أسعار الإنفاق الشخصي الذي يستخدمه الفيدرالي لتحديد هدفه يرتفع بأكثر من 6 في المئة سنويا، أي ثلاثة أضعاف الهدف.

ولم يبلغ ذروته إلا بعد تجاوزه 7 في المئة في يونيو 2022، حينها اضطر الفيدرالي لمواكبة الوضع عبر سلسلة سريعة وحادة من رفع الفائدة، بينما تجاوز مؤشر أسعار المستهلكين 9 في المئة في الشهر ذاته، وهو أسرع معدل منذ 1981.

والآثار السياسية والمالية والاقتصادية لهذه الأزمة ما زالت مستمرة.

السلع مقابل الرواتب

كان شعار "الناس يكرهون التضخم" شائعا بين مسؤولي الفيدرالي في أثناء تبنيهم سلسلة سريعة من رفع أسعار الفائدة في 2022 للسيطرة على التضخم، رغم إدراكهم أن تشديد الائتمان سيؤدي إلى صعوبات عبر رفع تكلفة المنازل أو السيارات إلى مستويات بعيدة عن متناول بعض المستهلكين.

وتعمل السياسة النقدية جزئيا عبر تقليل الطلب برفع تكلفة الاقتراض، ما يخفف الضغط على الأسعار.

وكانت هناك مخاطر أكبر تتمثل في "هبوط حاد" من التضخم على شكل ارتفاع البطالة أو ركود اقتصادي، وهو ما لم يحدث رغم توقع كثير من كبار الاقتصاديين حدوثه.

والسبب في استعداد مسؤولي الفيدرالي لتحمل هذه المخاطر هو أن التضخم بمثابة ضريبة تترك الجميع أسوأ حالاً.

وعلى مدار السنوات الماضية، قوَّض التضخم معظم زيادات الدخل الشخصي، وضرب الفئات الأقل دخلاً أكثر من غيرها.

فالدولار اليوم يعادل نحو قيمة اقل مقارنة ب يناير 2020.

للمشترين العقاريين.. علاج مؤلم

ويرى بعض الاقتصاديين أن حل التضخم هو مزيد من التضخم، إذ إن الأسعار المرتفعة ستقتل الطلب في النهاية، ولكن بالنسبة للفيدرالي، الحل هو رفع أسعار الفائدة.

ورفع سعر الفائدة قصير الأجل يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض الأخرى، خصوصا الرهون العقارية.

وبدأت سلسلة رفع الفائدة في 2022 في وقت غير معتاد، حيث اعتاد المستهلكون الأميركيون على عقود رهن منخفضة للغاية لأكثر من عقد، أرخص من أي وقت مضى.

وكان التحول المفاجئ إلى تكاليف تمويل أعلى بمثابة صدمة، والتوقعات تلعب دورا كبيرا في الاقتصاد والسياسة، وما زال الجمهور يتكيف مع حقيقة أن المال الرخيص انتهى حاليا.

ويضيف ارتفاع سعر الرهن مئات الدولارات إلى المدفوعات الشهرية، ما يثير الإحباط لأولئك الذين لم تعد دخولهم تكفي لشراء منزل.

المعركة مستمرة

ومع اجتماع الفيدرالي هذا الأسبوع، المتوقع فيه إبقاء أسعار الفائدة ثابتة، ما زالت الولايات المتحدة تواجه آثار ما اعتبره الاقتصاديون تصادما بين سلاسل التوريد المقيدة بالجائحة، والطلب الناتج عن تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي خلال جائحة كوفيد.

وفي الوقت ذاته، يبقى مؤشر التضخم المفضل لدى الفيدرالي فوق الهدف بنحو نقطة واحدة عند نحو 3 في المئة، وتظل السياسة النقدية مشددة نسبيا.

وقد تحدث صدمة جديدة في الأسعار مع تجاوز سعر النفط مستويات قياسية، وارتفاع أسعار الغاز.

والرئيس دونالد ترمب الذي استغل غضب الناخبين من التضخم وارتفاع الأسعار كأداة قوية في حملته لإعادة انتخابه، ما زال يواجه مخاوف المواطنين بشأن القدرة على تحمل التكاليف، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، وبقاء معدلات الرهن العقاري مرتفعة، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة لتكاليف الرعاية الصحية والنفقات الأساسية على ميزانيات الأسر.

لقد وعد بانخفاض الأسعار، ولكنها لم تتراجع.