توتر هرمز يهدد عرش الدولار.. هل تتغير قواعد اللعبة النقدية؟

توتر هرمز يهدد عرش الدولار.. هل تتغير قواعد اللعبة النقدية؟

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في محيط مضيق هرمز، تتجه الأنظار نحو محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات أخرى غير الدولار، في خطوة تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية.

وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يرقى إلى مستوى "حرب عملات" معلنة، فإنه يسلط الضوء على المساعي الدولية المتزايدة لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي هذا في وقت يطالب فيه الرئيس الأميركي بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، معربا عن شكوكه في استعداد إيران للتفاوض، بينما تبدو الأبواب الدبلوماسية موصدة.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني أي تحركات نحو طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر الرئيس الأميركي من أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) قد يواجه مستقبلا سيئا للغاية إذا تقاعس الحلفاء عن تقديم الدعم اللازم بشأن فتح مضيق هرمز.

إزاحة الدولار من التعاملات

ويرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجها عالميا أوسع نحو "تنوع العملات" في المعاملات الدولية.

وفي تعليقه، بين بن صقر أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية، ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار "إعادة هيكلة" تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يعد تطورا طبيعيا في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في هذا السياق، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

تأثير رمزي للمطالبة الإيرانية

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود عمليا على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلا رمزيا استراتيجيا طويل الأمد.

وقال سلام إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري وتكاليف النقل بنسبة ملحوظة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق، فبدلا من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين يعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين الحذرة

ويوضح سلام أن الصين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية الموازنة الدقيقة، فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه نسبة كبيرة من وارداتها.

وفي المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني رمزيا ضمن إطار بريكس لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

ارتدادات الأزمة على الاقتصاد العالمي

ويرى سلام أن هذه الضغوط الإيرانية تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية، فعلى الصعيد الأميركي، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة، ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام خطر الركود في توقيت سياسي حساس، ويضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دوليا، فإن صدمة الأسعار الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعا نقديا منقسما يزيد من تكاليف التجارة العالمية، ما يعزز في المحصلة شعورا عاما بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرع رمزيا من وتيرة التحول عن الدولار وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيدا بعوائق دبلوماسية وعملية جمة، ويشدد على أن جوهر الأزمة يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته، ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهنا بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.