كشفت الرخصة الامريكية الاخيرة الخاصة بالنفط الروسي عن لحظة انكشاف نادرة في بنية القرار الغربي، فحين ارتفعت مخاطر تعطل الامدادات من الخليج لم تتمسك واشنطن بمنطق العقوبات الى نهايته، بل فتحت ممرا مؤقتا لعبور شحنات روسية كانت حتى الامس القريب تقدم بوصفها جزءا من الة الحرب التي يجب خنقها.
ولم يات هذا التحول نتيجة مراجعة سياسية او اخلاقية للعقوبات، بل فرضته ضرورات السوق ومخاوف عودة التضخم وتشدد اختناقات الطاقة.
وتوضح الوثائق الامريكية ان القرار يسمح ببيع وتسليم النفط الروسي المحمل على السفن قبل 12 مارس 2026 حتى 11 ابريل، مما يعني عمليا ان واشنطن فضلت امتصاص صدمة السوق على التشدد الكامل في العقوبات.
وتبرز هنا مفارقة قاسية، فالدولة التي تقود الحصار الاقتصادي على موسكو اضطرت في لحظة خوف من انفلات الاسعار الى الاعتراف بان السوق لا تزال تحتاج براميل روسيا، وبذلك لم تكشف الرخصة عن مرونة تكتيكية فحسب، بل عن حدود القوة الامريكية عندما تصطدم بالبنية الصلبة لاسواق الطاقة العالمية.
ترخيص مؤقت يكشف مأزقا دائما
واصدر مكتب مراقبة الاصول الاجنبية في وزارة الخزانة الامريكية الترخيص العام رقم 134 في 12 مارس 2026، فسمح بالمعاملات "اللازمة عادة" لبيع وتسليم او تفريغ النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية المحملة على السفن قبل ذلك التاريخ حتى 11 ابريل.
ولم يفتح النص باب صادرات روسية جديدة، بل منع تجميد شحنات قائمة بالفعل، مما يشير الى ان واشنطن لم ترفع العقوبات لكنها عطلت اثرها مؤقتا حين رات ان التشدد الكامل قد يفاقم ازمة المعروض.
واوضحت رويترز ان وزير الخزانة سكوت بيسنت قدم الخطوة باعتبارها اجراء يهدف الى "استقرار اسواق الطاقة العالمية" التي هزتها الحرب على ايران، بينما نقلت عن السفير الروسي في واشنطن الكسندر دارتشييف ان القرار قد يشمل نحو 100 مليون برميل من النفط.
وهكذا لم يعد السؤال ما اذا كانت امريكا تؤمن بالعقوبات، بل ما اذا كانت قادرة على تطبيقها عندما تصبح كلفتها الاقتصادية اعلى من مردودها الجيوسياسي.
كما اظهرت قراءة قانونية لشركة "بيكر ماكنزي" ان توسيع نطاق الترخيص من الهند الى نطاق عالمي يرسل اشارة للسوق بان البيت الابيض لن يسمح بسحب مزيد من البراميل الروسية دفعة واحدة في ذروة التوتر.
وتكشف هذه الاشارة ان منظومة العقوبات نفسها اصبحت خاضعة لحدود العرض والطلب، وان العقاب الاستراتيجي قد يتوقف مؤقتا كلما اقتربت الاسعار من عتبة الخطر الاقتصادي والسياسي.
هرمز يضغط والسوق تفرض شروطها
فرضت الحرب في الخليج على واشنطن حسابا اشد قسوة من الخطاب السياسي، فقد افادت ادارة معلومات الطاقة الامريكية بان تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، اي قرابة خمس الاستهلاك العالمي.
كما قالت وكالة الطاقة الدولية ان الكمية نفسها تقريبا عبرت المضيق في 2025، بينما لا توفر خطوط الانابيب البديلة سوى طاقة تعويضية بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميا.
ويعني ذلك ان اي تعطل طويل الامد في المضيق قد يفتح فجوة يصعب سدها بسرعة، خصوصا اذا تزامن مع تضييق اضافي على الامدادات الروسية، ولهذا تعاملت واشنطن مع النفط الروسي بصفته جزءا من شبكة امان اضطرارية للسوق.
وعندما رفعت "باركليز" توقعاتها لسعر خام برنت في 2026 الى 85 دولارا بسبب اضطرابات هرمز، افترضت عودة التدفقات في غضون اسبوعين الى ثلاثة، لكنها حذرت من ان استمرار التعطل اربعة الى ستة اسابيع قد يدفع السعر الى 100 دولار.
واغلقت عقود برنت في 13 مارس عند 103.14 دولارات رغم محاولة واشنطن تهدئة السوق عبر الترخيص الروسي، فيما اشارت رويترز الى ان النفط واصل تحقيق مكاسب اسبوعية، وهكذا لم تر السوق في القرار الامريكي قدرة على ضبط الاسعار بقدر ما راته اعترافا بخطر نقص الامدادات.
لماذا بقي النفط الروسي عصيا على الاخراج؟
وفشلت العقوبات الغربية حتى بعد اربع سنوات من الحرب في اخراج روسيا من قلب السوق النفطية، اذ تظهر بيانات ادارة معلومات الطاقة الامريكية ان اسيا واوقيانوسيا استحوذتا في 2024 على 63% من صادرات الخام الروسي بعدما كانت اوروبا الوجهة الرئيسية.
كما نقلت وكالة انترفاكس عن بيانات رسمية ان صادرات النفط والمنتجات الروسية بلغت 7.5 ملايين برميل يوميا في يناير/كانون الثاني 2026، بينما بلغ الانتاج نحو 9.2 ملايين برميل يوميا، وتشير هذه الارقام الى ان السوق لم تستبدل النفط الروسي بل اعادت توجيهه شرقا بخصومات اكبر ومسافات نقل اطول.
وقد اظهرت رويترز ان الصادرات الروسية تراجعت في اوائل مارس بنحو 14% الى 3.6 ملايين برميل يوميا بفعل هجمات اوكرانية وجليد كثيف وتعطل موانئ، ولو تزامن هذا التراجع مع تشدد امريكي كامل يمنع تصريف الشحنات العالقة لتفاقم نقص المعروض في لحظة تتصاعد فيها مخاطر الخليج.
وفي اسيا تبدو الصورة اكثر وضوحا، فقد ذكرت رويترز ان واردات الصين من النفط الروسي مرشحة لبلوغ مستوى قياسي يقارب 2.07 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط استنادا الى بيانات "فورتكسا".
كما اقتنصت المصافي الصينية المستقلة الشحنات الروسية المخصومة بعد تراجع مشتريات الهند، ونقلت رويترز عن سون جيانان كبير محللي "انرجي اسبكتس" ان تدفقات الخام الروسي الى الصين قد تتراجع لاحقا بسبب ارتفاع المخزونات، ويعني ذلك ان موسكو ما تزال مضطرة لاعادة تسعير نفطها باستمرار للحفاظ على الطلب الاسيوي.
"الشر الاقل" يقي التضخم ولا يبرئ التناقض
عمليا اختارت واشنطن خيار "اهون الشرين"، فهي تدرك ان السماح بمرور النفط الروسي يمنح موسكو ايرادات اضافية، لكنها تدرك ايضا ان حجبه قد يدفع الاقتصاد العالمي الى موجة تضخمية جديدة.
فقد نقلت رويترز عن "غولدمان ساكس" ان ارتفاع النفط الى 100 دولار للبرميل قد يرفع التضخم العالمي الاساسي بنحو 0.7 نقطة مئوية، بينما قد يزيد السيناريو الاساسي التضخم بنحو 0.2 نقطة ويخصم 0.1 نقطة من نمو الناتج العالمي.
كما نقلت عن جوش باسمر من "ارتميس" قوله ان بقاء النفط قرب 100 دولار قد يضيف نقطة مئوية كاملة الى التضخم الامريكي، وهو ما قد يبدد امال خفض الفائدة.
ويكشف ذلك ان البيت الابيض لم يكن يدير ازمة خارجية فحسب، بل كان يدير ايضا خوفا داخليا من عودة الطاقة الى قلب السياسة النقدية.
كما نقلت رويترز عن محللي "اي ان جي" ان ارتفاع اسعار النفط بنسبة 10% قد يضعف موازين الحساب الجاري في الاسواق الناشئة بين 40 و60 نقطة اساسا.
ويعني ذلك ان الاعفاء الامريكي لا يستهدف فقط حماية المستهلك الامريكي، بل يهدف ايضا الى منع انتقال صدمة الطاقة الى الاقتصادات الناشئة.
ومع ذلك يكشف القرار تناقضا واضحا، اذ تستخدم واشنطن النفط الروسي مرة اخرى لاحتواء ازمة ساهمت عقوباتها نفسها في تعقيد شروطها.
اوروبا ترى تراجعا مقنعا وموسكو ترى اعترافا متاخرا
استقبل الاوروبيون الخطوة الامريكية بامتعاض واضح لانها مست جوهر سردية العقوبات، فقد نقلت رويترز عن متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تاكيد لندن ضرورة مواصلة الضغط الجماعي على روسيا، مشيرا الى ان العقوبات الغربية حرمت موسكو من اكثر من 450 مليار دولار منذ بدء الحرب.
كما نقلت الوكالة عن المستشار الالماني فريدريش ميرتس قوله ان تخفيف العقوبات على روسيا "امر خاطئ"، وذكرت اسوشيتد برس ان الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي وصف الاعفاء بانه "ليس القرار الصحيح"، محذرا من انه قد يضيف نحو 10 مليارات دولار الى الايرادات الروسية.
في المقابل قرات موسكو القرار بصورة مختلفة، فقد نقلت رويترز عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله ان روسيا والولايات المتحدة تتشاركان مصلحة في استقرار اسواق الطاقة.
كما ذكرت وكالة شينخوا الصينية ان بيسكوف اعتبر التخفيف الامريكي المؤقت منسجما مع مصالح روسيا، وتعكس هذه القراءة الروسية فكرة اعمق، اذ ان اضطرار واشنطن الى تخفيف اثر العقوبات في لحظة شح يؤكد ان الغرب لم ينجح في كسر الوزن البنيوي للنفط الروسي.
تحول استراتيجي ام استثناء اضطراري؟
لا تسمح الوقائع حتى الان بالقول ان واشنطن انتقلت الى سياسة مستقرة جديدة تجاه النفط الروسي، فالنص الامريكي مؤقت ومحدد زمنيا، والسياق الذي صدر فيه استثنائي.
لكن الازمة كشفت حقيقة اعمق: تستطيع الولايات المتحدة تشديد العقوبات ما دامت السوق قادرة على امتصاص الصدمة، لكنها تتراجع عندما يهدد البرميل المفقود معادلة التضخم والنمو.
وفي المحصلة لم تسمح واشنطن بمرور النفط الروسي لانها غيرت موقفها من موسكو، بل لانها لم تستطع تحمل كلفة غيابه في هذه اللحظة.
وهكذا لم تكشف الازمة عن النفط الروسي فقط، بل عن لحظة يعترف فيها صانع القرار الامريكي بان السوق قد تكون احيانا اقوى من السياسة.





