تتجه انظار الاسواق العالمية نحو الشرق الاوسط مع تصاعد التوترات العسكرية واضطراب حركة الملاحة البحرية، خاصة في مضيق هرمز الذي يعد احد اهم ممرات الطاقة في العالم.
وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من نقص الامدادات وارتفاع الاسعار، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم وعلى حياة الناس اليومية.
واظهرت تقارير استهداف سفينة حاويات قرب مدينة هرمز، في حين سبق ذلك استهداف ناقلتي نفط قبالة ميناء البصرة العراقي اثناء عملية نقل للنفط بينهما، وسط معلومات محدودة حتى الان بشان حجم الاضرار.
واوضح محمد رمال ان الممرات البحرية في المنطقة تشهد حركة كثيفة لناقلات النفط والسفن التجارية، اذ يتراوح عددها بين 200 و300 سفينة في اي وقت.
وبين ان تصاعد المخاطر الامنية ادى الى تكدس عدد كبير من الناقلات في المياه المحيطة، ما حولها فعليا الى مخزون عائم للنفط المنتج في دول المنطقة وايران، في وقت تتباطا فيه الامدادات المتجهة الى الاسواق العالمية.
واضاف ان مضيق هرمز اصبح شبه مغلق امام بعض السفن نتيجة المخاطر الامنية، الامر الذي دفع الدول المنتجة الى الاعتماد على خطوط انابيب بديلة لنقل النفط.
واكد ان هذه البدائل تبقى محدودة القدرة، اذ لا تتجاوز طاقتها مجتمعة نحو 2.6 مليون برميل يوميا، في حين يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، وهو ما يفسر حساسية الاسواق لاي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية.
قفزة في اسعار النفط
وانعكست هذه التطورات سريعا على اسواق الطاقة العالمية، حيث اقترب خام برنت مجددا من مستوى 100 دولار للبرميل، بحسب ما اوضح رئيس القسم الاقتصادي في قناة الجزيرة حاتم غندير.
ويشير غندير الى ان الاسواق تتابع التطورات الميدانية في الشرق الاوسط عن كثب، لان اي استهداف لمنشات الطاقة او تعطيل للموانئ النفطية قد يؤدي بسرعة الى تراجع الامدادات وارتفاع الاسعار.
واضاف ان خام برنت بلغ في وقت سابق نحو 100 دولار للبرميل قبل ان يتراجع قليلا ليستقر قرب 96 دولارا، مسجلا ارتفاعا يقارب 4.5% منذ بداية التصعيد العسكري.
كما لفت الى ان بعض الدول المنتجة بدات اتخاذ اجراءات احترازية، من بينها اعلان سلطنة عمان سحب سفن من ميناء الفحل الذي يصدر نحو مليون برميل يوميا، وهو ما قد يزيد من الضغوط على الامدادات العالمية.
وفي محاولة لتهدئة الاسواق، اعلنت وكالة الطاقة الدولية اكبر عملية سحب من المخزونات الاستراتيجية في تاريخها، اذ قررت الولايات المتحدة الافراج عن 192 مليون برميل من احتياطياتها النفطية على مدى 120 يوما.
كما اعلنت اليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا والمانيا الافراج عن كميات اضافية من احتياطياتها النفطية لدعم استقرار الاسواق العالمية.
ويشير غندير الى ان الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الامريكي يبلغ حاليا نحو 415 مليون برميل، بعد ان كان يقارب 720 مليون برميل، نتيجة استخدامه في ازمات سابقة ابرزها الحرب الروسية على اوكرانيا.
تداعيات على التكنولوجيا
ولا تقتصر تداعيات الازمة على قطاع الطاقة، اذ يحذر خبراء من انعكاساتها المحتملة على الصناعات التقنية، خاصة صناعة اشباه الموصلات التي تعد اساسا للعديد من الصناعات الحديثة.
وتعتمد صناعة الرقائق الالكترونية على عناصر ومواد اساسية ياتي بعضها من المنطقة، من بينها غاز الهيليوم المستخدم في تبريد الرقائق اثناء عمليات التصنيع، والذي لا يوجد له بديل عملي حتى الان.
كما ان ارتفاع اسعار الطاقة قد يزيد تكاليف تشغيل مراكز البيانات وعمليات الانتاج، وهو ما قد ينعكس على صناعة التكنولوجيا العالمية.
وتشير التقديرات الى ان كوريا الجنوبية تنتج اكثر من 60% من الرقائق الالكترونية في العالم، ما يجعل اي اضطراب في الامدادات او ارتفاع في تكاليف الطاقة عاملا مؤثرا في سوق التكنولوجيا العالمي.
تاثير مباشر على حياة الناس
وعلى صعيد التاثير المباشر على حياة الناس، يوضح غندير ان ارتفاع اسعار الطاقة ينعكس على تكاليف انتاج العديد من السلع الاساسية.
فالخبز، على سبيل المثال، يعتمد في انتاجه على سلسلة من العمليات التي تستخدم الوقود والطاقة، بدءا من الزراعة والنقل وصولا الى الطحن والخبز.
ويشير الى ان كل ارتفاع بنسبة 10% في اسعار النفط قد يقابله ارتفاع يقارب 3.2% في اسعار الخبز، وهو ما يعكس العلاقة المباشرة بين الطاقة وتكاليف الغذاء.
وفي السياق نفسه، وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بانه اكبر اضطراب في امدادات الطاقة العالمية في التاريخ الحديث.
وقال خبير اسواق الطاقة عامر الشوبكي ان العالم يواجه انقطاعا يقدر بنحو 15 مليون برميل يوميا من النفط، اضافة الى اضطرابات في اسواق الغاز وبعض المواد المرتبطة بقطاع الطاقة.
واشار الشوبكي الى ان تداعيات الازمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد الى سلع استراتيجية اخرى مثل اليوريا والاسمدة الفوسفاتية التي يعتمد عليها الانتاج الزراعي في العديد من الدول.
وحذر من ان الدول المستوردة للطاقة ستكون الاكثر تضررا من هذه التطورات، اذ قد تواجه ارتفاعا كبيرا في الاسعار الى جانب احتمال تراجع توفر الوقود في الاسواق.
وتوقع الشوبكي ان يؤدي استمرار الازمة الى ارتفاع معدلات التضخم عالميا، مشيرا الى ان كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد ترفع التضخم العالمي بنحو 1%، ما يعكس حجم التاثير الذي يمكن ان تتركه التوترات في المنطقة على الاقتصاد العالمي.





