البرهان والإسلاميون: هل تشتعل المواجهة في السودان بعد تصنيف أمريكي؟

البرهان والإسلاميون: هل تشتعل المواجهة في السودان بعد تصنيف أمريكي؟

يواجه الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان تحديات معقدة بعد تصنيف جماعات إسلامية كيانات إرهابية، حيث تتداخل هذه التيارات بعمق في هياكل السلطة ومراكز صنع القرار، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، ما يجعل أي صراع محتمل محفوفا بالمخاطر في ظل الوضع الهش الذي تعيشه البلاد.

يثير هذا التطور تساؤلات حول قدرة البرهان على تقويض نفوذ الإسلاميين، أو التخلص منهم، وعن ردود الفعل المحتملة في حال استهدافهم، فقد أعلنت الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، متهمة إياها بتلقي دعم من إيران، وحددت وزارة الخارجية الأميركية تحديدا الحركة الإسلامية، وشمل التصنيف ذراعها العسكرية فيلق البراء بن مالك لارتباطه بالحرس الثوري الإيراني.

ومنذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، انقسم الإسلاميون وحزبهم المؤتمر الوطني إلى تيارات متعددة، ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعادوا تنظيم صفوفهم للقتال إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع.

ويتهم الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي بأنه المحرك الفعلي للجيش عبر عناصر الإسلاميين، سعيا للعودة إلى السلطة، وهي اتهامات ينفيها البرهان باستمرار، ويرى بعض القيادات الإسلامية أن حركتهم استعادت نفوذها داخل مؤسسات الدولة العميقة، وأن مواجهتها تتطلب جهدا استخباريا وأمنيا واسعا، ويشيرون إلى أن الإسلاميين باتوا يشكلون عبئا ثقيلا على الجيش، في وقت يبدو فيه البرهان مترددا في اتخاذ موقف حاسم تجاههم.

وتشير أوساط مطلعة إلى أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب اتخذت قرار تصنيف الجماعة في وقت سابق، لكنها أرجأت الإعلان لإفساح المجال أمام وقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع، غير أن تصاعد التوترات الإقليمية، والمواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، إضافة إلى تصريحات لقيادات إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، أعلنت فيها دعمها لطهران، عجلت بصدور القرار.

وقد أثارت هذه التصريحات حرجا للبرهان أمام حلفائه الإقليميين، ما دفعه إلى نفي أي صلة رسمية بين الجيش وهذه المجموعات، وتوعد بمحاسبتهم، كما لفتت مصادر إلى أن نص قرار التصنيف ربط بين كتائب الإسلاميين في السودان وتلقيها تدريبا ودعما عسكريا من الحرس الثوري الإيراني، ما قد يجعلها هدفا محتملا للسياسات الأميركية.

سيناريوهات متوقعة

وتتوقع دوائر قريبة من الإسلاميين أن يلجأوا إلى الانحناء للعاصفة، وتجنب اتخاذ مواقف علنية قد تضعهم في مواجهة مباشرة مع السلطة العسكرية، خشية أن يؤدي أي تراجع ميداني إلى تقدم قوات الدعم السريع، وفي المقابل تؤكد هذه الأوساط أن الإسلاميين ما زالوا قوة مؤثرة، إذ يملكون نفوذا داخل أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية، فضلا عن امتداد تأثيرهم إلى مؤسسات الدولة المختلفة، بما فيها القضاء والنيابة العامة، ما يجعل إقصاءهم عملية مكلفة ومعقدة.

ويرى خصوم الحركة الإسلامية أن الجيش قد يجد صعوبة في تنفيذ مقتضيات التصنيف الأميركي، مثل تجميد الحسابات أو تقييد تحركات القيادات، بسبب التغلغل الآيديولوجي للحركة داخل صفوف الضباط، وهو اختراق بدأ منذ سبعينات القرن الماضي، واستمر طوال 3 عقود من حكم الإنقاذ السابق بقيادة عمر البشير.

وبحسب هذا الاتجاه، قد يلجأ الجيش إلى الالتفاف على العقوبات عبر المناورة السياسية وتبادل الخبرات مع الإسلاميين لتخفيف آثارها، إلا أن ذلك قد يواجه بنفاد صبر المجتمع الدولي، ويشير رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي بابكر فيصل إلى أن أمام الجيش 3 خيارات رئيسية: الأول إنكار وجود الإسلاميين داخل مؤسساته، وهو ما درج البرهان على تأكيده، الثاني المناورة بين المجتمع الدولي والإسلاميين، عبر تقديم وعود للأول وطمأنة الثاني بعدم استهدافه، أما الثالث فهو اتخاذ موقف حاسم بإقصائهم والدخول في مواجهة مباشرة معهم.

ويرجح فيصل أن يلجأ البرهان إلى خيار المناورة، مستشهدا بصمت وزارة الخارجية السودانية تجاه قرار التصنيف، مقابل مطالبتها بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، لكنه يحذر من أن هذا الخيار قصير الأمد، لأن أخطر ما في القرار هو ربط الحركة الإسلامية عسكريا بإيران، وهو ملف بات يحتل أولوية قصوى لدى الإدارة الأميركية، ويخلص فيصل إلى أن خيار المواجهة بالغ الصعوبة، نظرا لتمكن الإسلاميين من مفاصل السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية، ما قد يدفعهم إلى القتال حتى النهاية باعتبارها معركة وجودية، خاصة بعد تراجع نفوذ فروع الحركة الإخوانية في عدد من الدول الإقليمية.

وفي المقابل، تؤكد قوى مدنية مناهضة للحرب أن جميع الاحتمالات تظل مفتوحة، بما في ذلك استهداف الإسلاميين بشكل مباشر تبعا لتطورات الصراع الإقليمي، أو منح الجيش مهلة لإبعادهم تدريجيا، وتشدد هذه القوى على أن استبعاد الحركة الإسلامية من أي عملية سياسية مستقبلية، يمثل في نظرها الطريق الأقصر لوقف الحرب وإعادة الاستقرار إلى البلاد.