تواجه اليابان تحديا جديدا في مجال امن الطاقة، وذلك مع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الاوسط، وما يصاحبها من تعطل محتمل لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لامدادات الطاقة العالمية.
وكشفت بيانات عن تراجع مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية، وحذر خبراء في مجال الطاقة من ان الازمة الحالية تظهر مدى اعتماد البلاد على واردات الوقود الاحفوري، وما يترتب على ذلك من مخاطر اقتصادية وجيوسياسية.
واظهرت بيانات صادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية انخفاض مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق الكبرى بنسبة 3 في المائة خلال الاسبوع المنتهي في الثامن من اذار الحالي، لتصل الى نحو 2.12 مليون طن متري، مقارنة مع 2.19 مليون طن في الاسبوع السابق، ورغم ان هذه المستويات لا تزال متوافقة تقريبا مع الفترة نفسها من العام الماضي، فانها تبرز حساسية سوق الطاقة اليابانية تجاه اي اضطرابات في الامدادات العالمية.
وتكتسب هذه التطورات اهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الاوسط، حيث ادى الصراع الدائر الى تعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، احد اهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وتعتمد اليابان على المنطقة لتامين نحو 95 في المائة من وارداتها من النفط الخام، اضافة الى نحو 11 في المائة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، في حين يمر نحو 70 في المائة من النفط المستورد و6 في المائة من الغاز عبر المضيق.
وتشير التقديرات الرسمية الى ان اليابان تمتلك حاليا مخزونات اجمالية من الغاز الطبيعي المسال تقل قليلا عن اربعة ملايين طن، وهو ما يعادل تقريبا حجم الامدادات التي يتم شحنها عبر مضيق هرمز لمدة عام كامل، وعلى الرغم من ان وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة لا ترى مخاطر فورية على استقرار امدادات الكهرباء والغاز في الوقت الراهن، بسبب توقع انخفاض الطلب الموسمي خلال الاشهر المقبلة، فان التطورات الجيوسياسية تبقى مصدر قلق دائم لصناع القرار في طوكيو.
وزادت الازمة تعقيدا بعد اعلان قطر، اكبر مورد للغاز الطبيعي المسال لليابان في الشرق الاوسط، حالة «القوة القاهرة» على بعض شحناتها، وهو ما يسلط الضوء على مدى تعرض سلاسل الامداد العالمية للاضطرابات في اوقات الازمات.
ويرى خبراء الطاقة ان الازمة الحالية اعادت تسليط الضوء على نقطة الضعف الرئيسية في استراتيجية الطاقة اليابانية، والمتمثلة في الاعتماد الكبير على الوقود الاحفوري المستورد، وقال توماس كابيرغر، رئيس مجلس ادارة معهد الطاقة المتجددة في طوكيو، ان توقف تدفق واردات الوقود الاحفوري يمكن ان يؤدي بسرعة الى تعطيل الاقتصاد، واوضح ان محطات توليد الكهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الواردات، ما يعني ان اي انقطاع كبير قد يؤثر مباشرة في انتاج الطاقة والنقل والانشطة الصناعية.
وتاتي هذه التحذيرات في وقت يصادف الذكرى الخامسة عشرة لكارثة فوكوشيما دايتشي النووية، التي غيرت بشكل جذري نظرة اليابان الى مسالة امن الطاقة، فبعد الحادثة التي وقعت عام 2011، اوقفت اليابان معظم مفاعلاتها النووية، ما زاد من اعتمادها على واردات الوقود الاحفوري لتعويض النقص في انتاج الكهرباء.
لكن كابيرغر يرى ان العودة الى الاعتماد الواسع على الطاقة النووية لا تمثل حلا كاملا للمشكلة، فالمحطات الكبيرة، حسب رايه، اصبحت عرضة للاستهداف في زمن الاسلحة الحديثة والطائرات المسيرة، مستشهدا بما حدث في اوكرانيا، حيث تعرضت منشات طاقة كبيرة لهجمات خلال الحرب.
وبدلا من ذلك، يدعو خبراء الطاقة الى تسريع التحول نحو انظمة الطاقة المتجددة اللامركزية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة بالبطاريات، ويقول كابيرغر ان هذه الانظمة توفر مرونة اكبر، اذ لا يمكن لضربة واحدة او حادث واحد ان يعطل شبكة الطاقة الوطنية بالكامل.
ويرى ان التحول العالمي في تقنيات الطاقة يمنح اليابان فرصة تاريخية لاعادة صياغة موقعها في خريطة الطاقة العالمية، ففي القرن العشرين كانت البلاد تعد فقيرة الموارد بسبب اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط والفحم والغاز واليورانيوم، لكن مع انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيا البطاريات، يمكن لليابان ان تصبح دولة غنية بالموارد المتجددة.
وتكشف الازمة الحالية عن ان امن الطاقة الياباني لا يزال مرتبطا بشكل وثيق بتقلبات الجغرافيا السياسية في الشرق الاوسط، وبينما تبدو الامدادات مستقرة نسبيا في المدى القصير، فان التطورات الاخيرة تعيد طرح سؤال استراتيجي قديم حول ضرورة تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، ليس فقط لاسباب بيئية، بل ايضا لتعزيز الاستقلال الطاقي والمرونة الاقتصادية في مواجهة الازمات العالمية.





