وكالة الطاقة الدولية تدرس خطة ضخمة لتهدئة أسعار النفط

وكالة الطاقة الدولية تدرس خطة ضخمة لتهدئة أسعار النفط

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال نقلا عن مسؤولين مطلعين أن وكالة الطاقة الدولية تدرس تنفيذ أكبر عملية إطلاق لاحتياطيات النفط في تاريخها في خطوة استباقية تهدف إلى تهدئة الأسواق التي تعصف بها تداعيات الصراع الراهن وتتجاوز الكمية المقترحة نحو 182 مليون برميل وهي الكمية التي طرحت ابان الأزمة الأوكرانية عام 2022 مما يعكس حجم القلق الدولي من القفزات السعرية الراهنة وعلى الرغم من أن وزراء طاقة مجموعة السبع لم يتفقوا فورا على التنفيذ مطالبين الوكالة بتقييم أعمق للوضع فان مجرد تسريب أنباء هذه الخطة أدى إلى تراجع مؤقت في أسعار العقود الآجلة لخامي برنت وتكساس في محاولة من البيت الأبيض لتصوير الحرب وكانها انتهت بهدف تهدئة روع المتداولين.

وبعدما تسربت أنباء هذه الخطة وأدت إلى تراجع مؤقت في أسعار العقود الآجلة تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية هذا السلاح الاستراتيجي في مواجهة الحقائق الجيوسياسية على الأرض فهل يمكن للبراميل المخزنة في الكهوف والمستودعات الغربية أن تعوض شريان النفط العالمي في مضيق هرمز وهل يمتلك الغرب النفس الطويل الكافي لمواجهة انسداد ملاحي قد يمتد لاسابيع أو أشهر.

ترسانة الطوارئ هل تكفي لمواجهة التاريخ؟

الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية وعددها 32 دولة تمتلك مجتمعة ما لا يقل عن 1.2 مليار برميل من النفط في مخزونات الطوارئ العامة وفقا للوكالة التي تشرف على عمليات السحب المنسق من المخزونات وقد ساعدت الوكالة ومقرها في باريس في تنفيذ خمسة تدخلات من هذا النوع قبل حرب الخليج الأولى عام 1991 وبعد إعصاري ريتا وكاترينا في 2005 وعقب اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011 ومرتين في 2022 استجابة للاضطرابات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.

و من بين أعضاء الوكالة تمتلك الولايات المتحدة أكبر مخزون احتياطي في أربعة مواقع عالية التامين على طول ساحل خليج المكسيك هذه الكهوف العميقة والضخمة المبنية تحت الأرض قادرة على استيعاب أكثر من 700 مليون برميل من النفط وفقا لبيانات وزارة الطاقة تحتوي هذه المواقع حاليا على نحو 415 مليون برميل نقلا عن بلومبرغ أي أنها ممتلئة بنسبة 60 في المائة فقط بعد أن تم استنزافها في سحب قياسي خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عقب هجوم روسيا على أوكرانيا.

أما الصين أكبر مستورد للنفط في العالم فقد كونت في السنوات الأخيرة ما يبدو أنها قدرة احتياطية أكبر تمتلك البلاد نحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام في مخزونها الاستراتيجي وفق تقديرات مركز سياسات الطاقة العالمية التابع لجامعة كولومبيا.

انقسام دولي هل السحب ضرورة أم مغامرة؟

على الصعيد الدبلوماسي لم يكن المسار نحو تفعيل هذه الخطة يسيرا فقد أخفق وزراء طاقة مجموعة السبع في اجتماعهم يوم الثلاثاء في الاتفاق فورا على الإفراج عن الاحتياطيات مطالبين وكالة الطاقة الدولية باجراء تقييم شامل للموقف أولا وبرز الموقف الفرنسي بوصفه أحد أبرز المعرقلين للتحرك المتسرع إذ صرح وزير المالية الفرنسي بأن المجموعة لم تصل بعد إلى النقطة التي تستوجب سحب المخزونات مفضلا التريث رغم تاييد دول أخرى في المجموعة للإفراج المنسق.

و سبق هذا الاجتماع اجتماع آخر لوزراء مالية المجموعة يوم الاثنين الذين قالوا بدورهم إنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار السحب من احتياطيات النفط الاستراتيجية لكنهم أكدوا استعدادهم لذلك.

وأبدى ترمب ترددا في الإفراج عن النفط من الاحتياطي الأميركي وقد وصف هو ووزير الطاقة كريس رايت الأسعار المرتفعة للطاقة بأنها مؤقتة.

أما بالنسبة إلى الدول الأخرى فقد وجهت اليابان قواعد تخزين النفط لبدء استعدادات السحب من المخزون حسبما ذكرت صحيفة نيكي مما يشير إلى أن البلاد قد تمضي قدما بشكل مستقل إلا أن الحكومة قالت إنها لم تتخذ أي قرار بعد وقالت الهند في 9 مارس آذار إنها لا تخطط للسحب من مخزونها الاحتياطي.

هل تحل الأزمة بالاحتياطيات؟

يرى موقع يورو إنتليجنس أن خصمي الإدارة الأميركية الحقيقيين في هذه الحرب هما خاما برنت وغرب تكساس فالمشكلة الأساسية تكمن في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي للنفط الخام المنقول بحرا ويؤكد التحليل أن أي محاولة للتدخل عبر الاحتياطيات الاستراتيجية ستصطدم بحجم الكارثة فإجمالي ما تمتلكه دول الوكالة مجتمعة مخصص في الأصل لحالات الطوارئ القصوى مثل الزلازل والحروب الشاملة وليس لمجرد كبح الأسعار عند تجاوزها حاجز 100 دولار وفي حال الفقد الشامل لإمدادات المضيق فإن هذه المخزونات لن تكفي العالم سوى لـ120 يوما فقط وهي فترة تنتهي بنضوب سلاح الطاقة الغربي تماما.

و تزداد الصورة تعقيدا عند النظر إلى الطبيعة الهيكلية لهذه الاحتياطيات حيث يشير يورو إنتليجنس إلى وجود تفاوت كبير في كيفية إدارتها بين الدول ففي حين تسيطر الحكومة الفرنسية بالكامل على مخزوناتها لا تمتلك بريطانيا مخزونات حكومية مباشرة وتعتمد على القطاع الصناعي كما أن جزءا كبيرا من هذه الاحتياطيات موجود فعليا داخل خطوط الأنابيب للحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية مما يجعل سحبه فورا أمرا غير واقعي.

علاوة على ذلك يبرز تحدي إعادة الملء إذ إن أي كمية تسحب اليوم سيتحتم على الغرب شراؤها لاحقا لاستبدالها مما سيخلق ضغطا شرائيا هائلا في الأسواق عندما تحاول دول الخليج استعادة نشاطها وهو ما يضع الأسواق في حالة كش ملك تقنية لا مخرج سهلا منها.

معضلة اللوجيستيات

و مع تصاعد وتيرة النقاشات حول جدوى هذه الخطوة تبرز معضلة العامل الزمني بوصفه أحد القيود الفيزيائية الخفية فعملية الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست مجرد قرار سياسي ينفذ بضغطة زر بل هي عملية لوجيستية معقدة يستغرق وصول نفطها إلى الأسواق فعليا فترة تتراوح ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع حدا أدنى فبمجرد صدور الأمر تحتاج المنشآت إلى وقت لتجهيز الضخ ثم تاتي مرحلة النقل عبر خطوط الأنابيب إلى المواني وصولا إلى شحنها وتفريغها في المصافي.

و مثال على ذلك أن القدرة القصوى للسحب من احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي تبلغ نحو 4.4 مليون برميل يوميا وفقا لموقع وزارة الطاقة الأميركية ويستغرق وصول النفط من مواقع التخزين إلى السوق المفتوحة 13 يوما بعد صدور القرار الرئاسي علما بأن هناك أسبابا لوجيستية أيضا فإدارة ترمب تحاول إعادة ملء الاحتياطي وقد تعهد الرئيس بملئه عن آخره لكن المخزون ليس مصمما لاستقبال النفط وإخراجه في الوقت نفسه بالإضافة إلى ذلك قالت الإدارة إن السحب الذي بدأه الرئيس السابق جو بايدن قد أضر بالمنشآت وما زالت أعمال الإصلاح جارية.

هذا الفارق الزمني يعني أن الأسواق ستظل تحت رحمة التقلبات الفورية لعدة أسابيع قبل أن يلمس المستهلك أي أثر مادي لزيادة المعروض وهو ما يجعل سلاح الاحتياطيات أداة ردع نفسي أكثر من كونه حلا تقنيا للحرائق السعرية المشتعلة لحظيا.

ثلاثة قيود تحكم السعر

من جانبه استعرض موقع أويل برايس ثلاثة قيود تجعل من الصعب السيطرة على الأسعار عبر القرارات المكتبية فقط أولها تاكل القدرة الفائضة التي لا يمكنها في أحسن أحوالها تعويض سوى جزء بسيط من التدفقات المفقودة عبر مضيق هرمز أما القيد الثاني فهو مرونة الطلب حيث اقتربت الأسعار من مستوى 120 دولارا للبرميل وهو المستوى الذي يوصف تاريخيا بانه محفز الركود حيث تضطر الشركات والمستهلكون إلى تقليص نشاطهم قسريا وأخيرا يبرز تراجع حجم الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى 415 مليون برميل بوصفه عائقا ثالثا إذ إنه لم يعد بالقوة التي كان عليها قبل عقدين مما يقلص من قدرة واشنطن على المناورة طويلة الأمد.

و يختتم المحللون بتوقع سيناريوهات قاتمة في حال فشل الحلول الدبلوماسية واستمرار الانسداد الهيكلي فإذا تضررت البنية التحتية لمعالجة النفط في المنطقة قد تتجاوز الأسعار حاجز 140 دولارا للبرميل وفي هذه الحالة لن تكون المشكلة في السعر فحسب بل في التدافع العالمي المحموم للحصول على البراميل الفيزيائية لتسيير قطاعات النقل والزراعة التي تعتمد كليا على النواتج المقطرة مثل الديزل وهكذا تبدو خطة وكالة الطاقة الدولية وكانها محاولة لشراء الوقت في مواجهة أزمة تتجاوز قدرة الدول على الاحتواء ما لم يتم تامين الممرات المائية الحيوية بشكل دائم حسب المحللين.