في ختام عام 2025، سجلت ارامكو السعودية اداء ماليا قويا، حيث بلغ صافي الدخل المعدل 104.7 مليار دولار، ووصلت التوزيعات النقدية الى 85.45 مليار دولار، مدعومة بتوزيعات للربع الرابع بقيمة 21.89 مليار دولار، وتدفقات نقدية حرة بقيمة 85.4 مليار دولار.
لكن الشركة تجد نفسها اليوم في مواجهة تحد جيوسياسي يتطلب مرونة تشغيلية عالية، وذلك بسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
واظهر اداء ارامكو خلال الايام الماضية، في ظل تعطل المضيق نتيجة الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران، متانة مركزها المالي، وهي المتانة التي تدعم قدرتها على ادارة اصولها والتعامل مع تداعيات الازمة الحالية.
وقال الرئيس التنفيذي لارامكو، المهندس امين الناصر، ان استئناف الشحن في مضيق هرمز امر حيوي لا غنى عنه.
واضاف ان ارامكو، بما تملكه من بنية تحتية استراتيجية متجذرة، تتعامل مع الازمة من خلال منظومة طوارئ متكاملة لضمان استمرار تدفق الامدادات لعملائها.
وبين ان الشركة سارعت الى تفعيل خط انابيبها الاستراتيجي الممتد من الشرق الى الغرب، مع توقع الوصول الى ذروة التشغيل خلال اليومين المقبلين، بوصول ناقلات النفط الى محطات التحميل في البحر الاحمر.
واوضح الناصر خلال مكالمة هاتفية لمناقشة الارباح، عقب الاعلان عن النتائج، ان ستكون هناك عواقب وخيمة على اسواق النفط العالمية، وكلما طال امد هذا الاضطراب، زادت حدة التداعيات على الاقتصاد العالمي.
واكد انه على الرغم من ان الشركة واجهت اضطرابات في الماضي، فان هذه الازمة هي الاكبر على الاطلاق التي واجهها قطاع النفط والغاز في المنطقة.
وكان سعر خام برنت قد ارتفع الى اعلى مستوى له في اكثر من ثلاث سنوات ليقارب 120 دولارا للبرميل يوم الاثنين، ثم تراجع ليتداول عند حوالي 92 دولارا يوم الثلاثاء، وذلك عقب تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترمب التي توقع فيها قرب انتهاء الحرب.
وشرح الناصر ان ارامكو وضعت خطط طوارئ لمختلف السيناريوهات، لضمان استمرار الامدادات للعملاء، وابرز النقاط الاستراتيجية التي تعمل عليها الشركة:
خط الانابيب شرق غرب
بين الناصر ان ارامكو تضع خط انابيب شرق غرب بسعة 7 ملايين برميل يوميا في صدارة الحلول، حيث سيتم تفعيله باقصى طاقته خلال اليومين المقبلين لاستخدامه في تصدير خام العربي الخفيف والعربي الخفيف جدا.
القدرة التخزينية
واكد الناصر ان الشركة لا تواجه اي مشكلات تتعلق بالسعة التخزينية داخليا او خارجيا، حيث تمتلك ارامكو مراكز تخزين عالمية توفر مرونة كافية لضمان تلبية معظم متطلبات العملاء تحت هذه الظروف.
الطاقة الانتاجية الفائضة
اوضح الناصر ان ارامكو تمتلك طاقة انتاجية فائضة قدرها مليونا برميل يوميا، مشيرا الى ان العودة للانتاج الكامل في حال حدوث اي توقفات هي مسالة يومين فقط.
وشدد الناصر على ان ارامكو تبذل قصارى جهدها للوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها حول العالم، مع الالتزام التام بادارة هذه الازمة باعلى مستويات الكفاءة والاحترافية، لافتا الى ان استئناف الملاحة في مضيق هرمز يعد امرا حيويا وحاسما، نظرا لان نحو 17 في المائة من امدادات الطاقة العالمية تمر عبر هذا الممر المائي، ويتركز معظم الطاقة الانتاجية الفائضة في العالم داخل هذه المنطقة.
وفي السياق نفسه، قال النائب التنفيذي للرئيس وكبير الاداريين الماليين في ارامكو، زياد المرشد، خلال مؤتمر صحافي، ان الشركة تواصل الانتاج عبر خط انابيب شرق غرب الذي تصل طاقته الى نحو 7 ملايين برميل يوميا، يذهب معظمها للتصدير، فيما يستخدم نحو مليوني برميل منها في المصافي الواقعة في المناطق الغربية التي تصدر بدورها جزءا من منتجاتها الى الاسواق العالمية، واوضح ان الشركة تزيد الانتاج تدريجيا، ومن المتوقع الوصول الى الطاقة القصوى خلال ايام قليلة، معتمدة على اعادة تموضع ناقلات النفط من الشرق الى الساحل الغربي للتحميل بعد الازمة المفاجئة.
واضاف المرشد ان الشركة لا تعلن عادة عن سعة التخزين لاسباب تجارية، لكنها تتابع مرافق التخزين داخل المملكة وخارجها، بما في ذلك مواقع في اليابان وكوريا وهولندا في روتردام ومواقع اخرى تخدم منطقة البحر المتوسط، مشيرا الى ان ارامكو تستفيد من هذه المرافق بالتوازي مع زيادة الانتاج لتحقيق التوازن في الصادرات وتلبية متطلبات العملاء عبر خط انابيب شرق غرب ومن خلال مرافق التخزين العالمية والمحلية.
النتائج المالية لارامكو
وسجلت ارامكو اداء ماليا متميزا، حيث بلغ صافي الدخل المعدل للسنة المالية 2025 نحو 392.5 مليار ريال (104.7 مليار دولار) بتراجع طفيف نسبته 5 في المائة عن نهاية عام 2024 (110.29 مليار دولار)، في حين حققت تدفقات نقدية قوية من انشطة التشغيل بلغت 136.2 مليار دولار (510.8 مليار ريال)، كما حافظت على تدفقات نقدية حرة بلغت 85.4 مليار دولار ( 320.4 مليار ريال)، وهو ما عزز من متانة مركزها المالي مع انخفاض نسبة المديونية الى 3.8 في المائة بنهاية عام 2025 مقابل 2.4 في المائة في 2024.
وبلغ اجمالي توزيعات الارباح المدفوعة خلال العام الماضي، 85.45 مليار دولار (320.45 مليار ريال)، متضمنة كلا من توزيعات الارباح الاساسية والمرتبطة بالاداء، وسجلت التوزيعات الاساسية المدفوعة خلال عام 2025 ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغت 84.58 مليار دولار (317.16 مليار ريال)، مقارنة بـ81.15 مليار دولار (304.33 مليار ريال) في عام 2024.
ويعكس هذا النمو المستمر في التوزيعات الاساسية ثقة ادارة الشركة في متانة مركزها المالي وقدرتها على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة رغم التحديات التي واجهت اسعار النفط العالمية خلال العام.
وفيما يخص التوزيعات المرتبطة بالاداء، فقد بلغت قيمتها خلال عام 2025 نحو 876 مليون دولار (3.29 مليار ريال).
وعلى صعيد الربع الرابع من عام 2025، اعلن مجلس الادارة عن توزيعات ارباح اساسية بقيمة 21.89 مليار دولار ( 82.08 مليار ريال)، وذلك بزيادة قدرها 3.5 في المائة على اساس سنوي التي شهدت نموا على مدار الاربعة اعوام الماضية، على ان يتم دفعها في الربع الاول من عام 2026.
وتشير الارقام الى ان قدرة ارامكو على الحفاظ على هذا المستوى من التوزيعات رغم تقلبات الاسعار تعود بشكل رئيسي الى كفاءة التدفقات النقدية الحرة، التي بلغت 85.43 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم يقارب بشكل لافت ما حققته الشركة في عام 2024 (85.33 مليار دولار).
تطورات قطاع الغاز
وفيما يخص قطاع الغاز، كشفت ارامكو تحقيق تقدم في عدد من المشاريع الاستراتيجية، اذ بدات تشغيل المرحلة الاولى من مشروع الجافورة، مع تسجيل باكورة انتاج الغاز في ديسمبر (كانون الاول) 2025، كما اعلنت بدء تشغيل معمل الغاز في راس تناقيب، الى جانب تحقيق اكتشافات جديدة للغاز الطبيعي شملت حقلين واربعة مكامن، مع تسجيل معدل تعويض لاحتياطيات الغاز الطبيعي باكثر من 100 في المائة بصورة مستدامة.
واوضحت ارامكو انها اتمت صفقة المعالجة والنقل في مشروع الجافورة، التي من المتوقع ان تحقق قيمة تبلغ 11.1 مليار دولار، اضافة الى تامين كميات من الغاز الطبيعي المسال تبلغ 3.2 مليون طن متري سنويا.
واشارت الى ان المرحلة الثانية من مشروع الجافورة وتوسعة معمل الغاز في الفاضلي تسيران وفق الجدول الزمني المخطط، ومن المقرر انجازهما في عام 2027.
كما قالت الشركة انها احرزت تقدما في المرحلة الثالثة من توسعة شبكة الغاز الرئيسية، التي ستضيف طاقة نقل تقديرية تبلغ 3.15 مليار قدم مكعبة يوميا بحلول عام 2028.
وفي تعليق له على الارقام، قال الناصر ان الشركة اختتمت عام 2025 بتحقيق نمو قوي وتدفقات نقدية متميزة، مشددا على ان استراتيجية الشركة اثبتت مرونتها وقدرتها على تحقيق عوائد مستدامة للمساهمين رغم تقلبات الاسواق العالمية، واوضح ان الادارة المنضبطة لراس المال، وعملياتنا منخفضة التكلفة وعالية الموثوقية، من العوامل الحاسمة في تحقيق اداء مالي قوي خلال عام شهد تقلبات سعرية ملحوظة.
واضاف ان هذا الاداء هو ما مكن الشركة من اتخاذ قرار بزيادة توزيعات الارباح الاساسية بنسبة 3.5 في المائة، مؤكدا التزام الشركة المستمر بتعزيز القيمة التراكمية للمساهمين.
الابتكار والتميز التشغيلي
وشدد الناصر على الدور المحوري للتقنيات المتقدمة في مسيرة الشركة، قائلا: نواصل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية لتعزيز الكفاءة التشغيلية وتحقيق مزيد من القيمة في قطاعات اعمالنا, كما لفت الى سجل الشركة المتميز في مجال السلامة خلال عام 2025، الذي سجل ادنى معدل اجمالي للحالات المسجلة منذ طرح اسهم الشركة للاكتتاب العام، عادا اياه انجازا يعكس ثقافة السلامة المتجذرة في ارامكو.
وحول التوقعات المستقبلية، اشار الناصر الى ان عام 2025 شهد طلبا قياسيا على النفط، مما يعزز الثقة في جدوى الاستثمارات المستمرة، واوضح ان مشروع توسعة شبكة الغاز يسير وفق الجدول الزمني المحدد لتلبية الطلب المحلي المتنامي، وتوفير سوائل مصاحبة عالية القيمة.
واختتم الناصر تصريحه بالقول: الزخم القوي لمشاريعنا الاستراتيجية يوفر امكانية نمو التدفقات النقدية التشغيلية مستقبلا، ويخلق فرصا جديدة تكرس مكانة ارامكو بصفتها شركة رائدة عالميا في قطاع الطاقة.
برنامج لاعادة الشراء
والى جانب التوزيعات النقدية، اطلقت الشركة برنامجا لاعادة شراء اسهم بقيمة تصل الى 11.3 مليار ريال (3 مليارات دولار) على مدى 18 شهرا، تاكيدا على التزامها بخلق قيمة طويلة الاجل للمستثمرين.
واوضح المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس في تصريح لـالشرق الاوسط، ان اعلان ارامكو عن برنامج لاعادة شراء اسهم يحمل رسائل مهمة للسوق، اولها ان الشركة ترى ان سهمها يتمتع باساسيات قوية، وربما يتم تداوله دون قيمته العادلة، وهو ما يدفع الادارة الى دعم السهم عبر تقليص عدد الاسهم المتداولة ورفع ربحية السهم على المدى المتوسط.
واضاف ان القرار يعكس ايضا قوة المركز المالي للشركة وقدرتها على توليد تدفقات نقدية كبيرة حتى في ظل تقلبات اسعار النفط العالمية، ما يمنح المستثمرين اشارة واضحة بان ارامكو قادرة على الاستمرار في خلق قيمة للمساهمين عبر ادوات متعددة، سواء من خلال التوزيعات النقدية او اعادة شراء الاسهم.
واشار العطاس الى ان اثر هذه الخطوة يتجاوز الشركة نفسها نظرا لكون ارامكو صاحبة الوزن الاكبر في المؤشر العام للسوق المالية السعودية تاسي، مبينا ان اي تحسن في اداء السهم او استقراره ينعكس ايجابا على المؤشر ككل، ويعزز الثقة الاستثمارية في السوق، خصوصا لدى المستثمرين المؤسسيين والاجانب الذين ينظرون الى سهم ارامكو بوصفه مؤشرا رئيسيا على قوة الاقتصاد السعودي وقطاع الطاقة.
وفيما يتعلق بتاثير تعطل الملاحة في مضيق هرمز على اداء ارامكو ونتائج الربع الاول، اوضح ان المضيق يمثل احد اهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط في العالم، واي اضطراب في الملاحة عبره يثير قلق اسواق الطاقة، الا ان السعودية تمتلك ميزة استراتيجية تقلل من حدة هذا التاثير تتمثل في مرونة البنية التحتية لنقل النفط.
وبين ان المملكة قادرة على تحويل جزء كبير من صادراتها النفطية عبر خط انابيب شرق غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية الى مواني البحر الاحمر، وهو ما يمنح ارامكو قدرة على الاستمرار في التصدير حتى في حال حدوث اضطرابات في الملاحة عبر الخليج.
واضاف ان اي تعطل جزئي في الامدادات قد يؤدي الى ارتفاع اسعار النفط العالمية، وهو عامل قد يعوض جزءا من اي ضغوط تشغيلية او لوجيستية محتملة، متوقعا ان يكون تاثير هذه التطورات على نتائج الربع الاول محدودا من الناحية التشغيلية، لكنه قد يكون ايجابيا من حيث الايرادات اذا استمرت الاسعار عند مستويات مرتفعة.
واختتم العطاس بالقول ان خبرة ارامكو الطويلة في ادارة سلاسل الامداد وامتلاكها بنية تحتية متنوعة للتصدير يجعلها من اكثر شركات الطاقة قدرة على التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية دون تاثير جوهري على ادائها المالي.





