اليابان تراقب تقلبات الاسواق وتحركات لاحتواء ارتفاع اسعار الطاقة

اليابان تراقب تقلبات الاسواق وتحركات لاحتواء ارتفاع اسعار الطاقة

تواجه الحكومة اليابانية مرحلة اقتصادية حساسة تتداخل فيها تحديات السياسة النقدية مع اضطرابات اسواق الطاقة العالمية، فقد خضع موقف رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي من سياسة بنك اليابان لتدقيق سياسي متزايد داخل البرلمان بالتزامن مع تحركات حكومية لمراقبة تقلبات الاسواق المالية ودعم مبادرات دولية تهدف الى تهدئة اسعار النفط واستقرار الامدادات العالمية.

وبدأ الجدل السياسي في طوكيو بعد تقارير اعلامية تحدثت عن تحفظات أبدتها تاكايتشي بشان تشديد السياسة النقدية خلال اجتماع عقدته الشهر الماضي مع محافظ بنك اليابان كازو أويدا.

واثارت هذه التقارير تساؤلات من قبل نواب المعارضة حول احتمال ممارسة ضغوط سياسية على البنك المركزي للتريث في رفع اسعار الفائدة وهو امر يثير حساسية كبيرة في بلد يولي اهمية تقليدية لاستقلالية البنك المركزي.

وفي ردها على هذه التساؤلات داخل البرلمان، اكدت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما ان تحديد السياسة النقدية يبقى من صلاحيات بنك اليابان، مشيرة الى ان الحكومة لا تتدخل في القرارات الفنية المتعلقة باسعار الفائدة.

واضافت ان ما صرح به محافظ البنك المركزي عقب لقائه برئيسة الوزراء يظل الموقف الرسمي، اذ اكد حينها ان الاجتماع لم يتضمن اي طلب سياسي محدد يتعلق بمسار السياسة النقدية.

ورغم هذا التاكيد، فان القضية تعكس تعقيد العلاقة بين الحكومة والبنك المركزي في اليابان، حيث ينص القانون على استقلالية بنك اليابان في وضع السياسة النقدية لكنه في الوقت ذاته يشدد على ضرورة ان تكون قراراته منسجمة مع التوجهات الاقتصادية العامة للحكومة.

وتصف الحكومة هذا التوازن بانه مسالة حساسة للغاية، لانه يتطلب ادارة دقيقة للعلاقة بين السياسة الاقتصادية والسياسة النقدية.

وتاتي هذه النقاشات في وقت يشهد فيه الاقتصاد الياباني تحولا تدريجيا في سياسته النقدية بعد سنوات طويلة من اسعار الفائدة شديدة الانخفاض، فقد رفع بنك اليابان في ديسمبر الماضي سعر الفائدة المستهدف قصير الاجل الى 0.75 في المائة وهو اعلى مستوى خلال 30 عاما استنادا الى تقديرات تفيد بان البلاد تقترب من تحقيق هدف التضخم المستدام عند 2 في المائة.

ومع ذلك، لا يزال توقيت اي زيادات اضافية غير محسوم، اذ اشار المحافظ كازو أويدا الى استعداد البنك لمواصلة رفع الفائدة اذا استدعت الظروف دون تحديد جدول زمني واضح.

بيئة معقدة

لكن البيئة الاقتصادية العالمية تزيد من تعقيد هذه الحسابات، فالتوترات الجيوسياسية الاخيرة في الشرق الاوسط وما نتج عنها من ارتفاع اسعار النفط تضع ضغوطا اضافية على الاقتصاد الياباني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، ويخشى صناع القرار في طوكيو ان يؤدي ارتفاع اسعار النفط الى ابطاء النمو الاقتصادي من جهة والى زيادة الضغوط التضخمية من جهة اخرى.

وفي هذا السياق، اعلنت اليابان دعمها لمقترح وكالة الطاقة الدولية بشان اطلاق منسق لمخزونات النفط الاستراتيجية بين الدول الصناعية الكبرى بهدف تهدئة الاسواق في حال تعطل الامدادات العالمية.

وقال وزير الصناعة ريوسي اكازاوا ان هذه الخطوة يمكن ان تكون اداة فعالة لتحقيق الاستقرار في سوق النفط، مشيرا الى ان وزراء الطاقة في مجموعة السبع سيعقدون اجتماعا لمناقشة تفاصيل هذا الاجراء المحتمل.

وفي موازاة ذلك، تراقب الحكومة اليابانية تحركات الاسواق المالية من كثب، فقد شهدت بورصة طوكيو تقلبات ملحوظة في الفترة الاخيرة نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية وتداعياتها على اسواق الطاقة والعملات، وقال المتحدث باسم الحكومة مينورو كيهارا ان السلطات تتابع تطورات الاسواق بدرجة عالية جدا من الاستعجال، مؤكدا ان الحكومة ستواصل التنسيق مع شركائها في مجموعة السبع والجهات الدولية لضمان الاستجابة السريعة لاي اضطرابات محتملة.

وتعكس هذه التحركات ادراك طوكيو لحساسية المرحلة الحالية، حيث تتقاطع 3 عوامل رئيسية هي التحول التدريجي في السياسة النقدية بعد عقود من التيسير وتقلبات الاسواق العالمية ومخاطر ارتفاع اسعار الطاقة.

ويخشى بعض المستثمرين ان يؤدي اي تشديد سريع للسياسة النقدية الى ابطاء التعافي الاقتصادي، في حين يرى اخرون ان ابقاء السياسة التيسيرية مدة اطول قد يضعف العملة اليابانية ويزيد الضغوط التضخمية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو اليابان امام معادلة اقتصادية دقيقة تتطلب توازنا بين استقلالية السياسة النقدية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي، وبينما يواصل بنك اليابان تقييم توقيت الخطوات المقبلة تركز الحكومة على احتواء تقلبات الاسواق وتامين امدادات الطاقة، ومن المرجح ان تظل هذه الملفات الثلاثة السياسة النقدية والطاقة والاستقرار المالي في صدارة اهتمامات صناع القرار والمستثمرين خلال المرحلة المقبلة.