يواجه الاقتصاد الامريكي تحديات كبيرة بسبب التضخم وارتفاع اسعار الطاقة، الامر الذي يضع صناع السياسة النقدية في موقف صعب، حيث تترقب الاسواق تقارير اقتصادية تعكس صورة لما قبل اندلاع الصراعات الاخيرة، بينما تشهد اسعار الطاقة ارتفاعات ملحوظة.
وتتجلى حدة الازمة في التباين بين بيانات شهر يناير التي اشارت الى تضخم مستمر، وبيانات شهر فبراير التي اوحت بتباطؤ محتمل، ما يثير تساؤلات حول دقة هذه القراءات في تصوير الوضع الاقتصادي الحقيقي، وتزداد الامور تعقيدا مع تصاعد الصراعات الجيوسياسية التي تجعل بيانات فبراير تبدو قديمة، في حين يهدد ارتفاع اسعار النفط باعادة التضخم في شهر مارس قبل ان يتمكن الاحتياطي الفيدرالي من تقييم البيانات السابقة.
وجاء هذا الترقب بعد تقرير وظائف فبراير الذي وصف بالمخيب للامال، حيث فقد الاقتصاد الامريكي 92 الف وظيفة بشكل مفاجئ، وارتفع معدل البطالة الى 4.4 بالمئة، هذا التراجع في سوق العمل يتعارض مع التوقعات السابقة باستقرار التوظيف، ويضع صناع القرار امام خيار صعب بين معالجة الركود المحتمل وكبح التضخم الذي دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين نتيجة للعمليات العسكرية المستمرة وتوقف الانتاج في بعض مصافي النفط الاقليمية.
فجوة البيانات
ومن المتوقع ان يكشف تقرير مؤشر اسعار المستهلكين عن صورة مضللة للاستقرار، حيث تشير التوقعات الى ارتفاع التضخم الاساسي بنسبة 0.2 بالمئة فقط لشهر فبراير، ما قد يوحي بانحسار ضغوط الاسعار قبل تصاعد الصراعات، ومع ذلك، تشير تحليلات الى وجود فجوة بين مؤشرات التضخم، فبينما يظهر مؤشر اسعار المستهلكين هدوءا، يتوقع ان يظهر مؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي ارتفاعا بنسبة 0.4 بالمئة في يناير، ليبقى المعدل السنوي ثابتا عند 3 بالمئة، ويعزو المحللون هذا التباين الى ثغرات احصائية وتوقعات ببيانات مفقودة تتعلق بقطاع الاسكان، ما يضع الاسواق في حيرة حول المؤشر الذي يعكس الوضع الاقتصادي الحقيقي.
وفي هذا السياق، يرى خبراء ان تقرير مؤشر اسعار المستهلكين لشهر فبراير سيكون المحفز المقبل لرهانات السوق على معدل الفائدة الفيدرالية، خصوصا بعد ارقام الرواتب لشهر فبراير، ويشيرون الى انه بينما يتوقع ان ياتي مؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي لشهر يناير مرتفعا، فان الاسواق قد تتجاهل هذه القراءة لصالح بيانات التضخم في فبراير الاكثر حداثة، اذا ما جاءت الاخيرة فاترة، ما يعزز التكهنات بان التضخم كان يتجه نحو الهبوط قبل حدوث الصدمة الجيوسياسية.
صدمة الوقود وتقليص القدرة الشرائية
وعلى صعيد قطاع الطاقة، بدات الصراعات بالفعل في رسم خريطة تضخمية مختلفة لشهر مارس، فبينما بقيت بيانات فبراير بمنأى عن اثار النزاع، تسببت العمليات العسكرية في قفزة كبيرة في اسعار وقود السيارات، حيث سجلت اسعار التجزئة واحدة من اكبر الزيادات الاسبوعية منذ اعصار كاترينا عام 2005، ويحذر تقرير من ان بقاء اسعار النفط عند 100 دولار للبرميل سيبقي التضخم فوق مستوى 3 بالمئة طوال عام 2026، هذه القفزة ستؤدي حتما الى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين، حيث سيضطر الامريكيون لدفع مبالغ اكبر في محطات الوقود، ما يقلل من قدرتهم على الانفاق ويضغط بشكل مباشر على مبيعات التجزئة الحقيقية.
ومن جهته، يرى بنك ان وصول سعر النفط الى 100 دولار للبرميل سيكون تضخميا بلا شك على المستوى العام، ويوضح البنك ان كل زيادة مستدامة بنسبة 10 بالمئة في اسعار الخام تضيف نحو 0.2 نقطة مئوية الى مؤشر اسعار المستهلكين خلال شهرين، مدفوعة بشكل اساسي باسعار البنزين، ويحذر من ان بقاء النفط قرب 100 دولار لفترة طويلة قد يدفع التضخم الاجمالي للاقتراب من 3 بالمئة بحلول نهاية 2026، ما قد يؤدي الى تاخير التخفيضات المتوقعة في اسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي اذا بدات توقعات التضخم في الارتفاع.
ضغوط هيكلية وعدوى الاسعار
وفي الوقت ذاته، تبرز ضغوط هيكلية في مؤشر اسعار المنتجين، حيث سجلت القراءات الاخيرة قفزات متتالية بلغت 0.6 بالمئة و 0.8 بالمئة في شهري ديسمبر ويناير، وتعكس هذه الارقام محاولات تجار الجملة لتمرير تكاليف التعريفات الجمركية المرتفعة الى بائعي التجزئة للحفاظ على هوامش ارباحهم، ورغم صدور امر قضائي يتطلب من الادارة الامريكية رد اكثر من 130 مليار دولار من التعريفات الجمركية العالمية للمستوردين، فان الخبراء يستبعدون ان يترجم ذلك الى تخفيف تضخمي فوري، فالشركات التي طبقت زيادات سعرية بالفعل من غير المرجح ان تتراجع عنها في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي، ما يعني ان عدوى الاسعار ستستمر في الانتقال الى المستهلك النهائي ببطء ولكن بثبات.
مازق الاحتياطي الفيدرالي
اما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه في مازق فترة التعتيم الاعلامي قبيل اجتماع 17-18 مارس، ومع بقاء التضخم السنوي فوق هدفه بنسبة 2 بالمئة، يتوقع المحللون ابقاء معدلات الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 بالمئة - 3.75 بالمئة، فمن جهة، يضغط ضعف سوق العمل والتباطؤ في خلق الوظائف نحو خفض الفائدة، ومن جهة اخرى، تجبر صدمة الطاقة والارتفاع المرتقب في تضخم مارس البنك المركزي على التمسك بموقفه المتشدد، كما يراقب الاحتياطي الفيدرالي بيانات الدخل المتاح للانفاق، حيث ان نمو الاجور بنسبة 0.6 بالمئة المتوقع في يناير قد يوفر بعض الدعم للمستهلكين، لكنه قد يغذي ايضا دوامة الاجور والاسعار التي يسعى البنك لتجنبها.
وبعيدا عن ارقام التضخم، تتجه الانظار الى بيانات فرص العمل لشهر يناير، والتي ستكشف عن مستوى الطلب الحقيقي على العمالة ومدى صمود الشركات، وفي اليوم نفسه، سيقدم استطلاع جامعة ميشيغان الاولي لشهر مارس نظرة حول كيفية رؤية الامريكيين لاثر الصراع على ميزانياتهم الخاصة، وسيكون هذا الاستطلاع بمثابة مقياس حرارة لمشاعر المستهلكين تجاه تضخم مارس المتصاعد، وتحديثا لمواقفهم بشان سوق العمل وتوقعات التضخم في ظل الصراعات الجارية.
وعلى الصعيد العالمي، تمتد تداعيات الصراعات لتشمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة، ففي اوروبا، تراقب المانيا وفرنسا اثر الازمة على قطاعاتهما الصناعية، خصوصا بعد تحسن طفيف شهدته المانيا في نهاية 2025 بفضل الانفاق الدفاعي والبنية التحتية.
وفي اسيا، تواجه دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند تهديدا مزدوجا، حيث يؤدي ارتفاع اسعار المستوردات النفطية الى الضغط على النمو وتعقيد مهمة البنوك المركزية هناك، ان البيانات الاقتصادية التي ستصدر، ستكون تحت مجهر الصراع، مما يؤكد ان الاقتصاد العالمي بات محكوما بالميدان اكثر من لغة الارقام.





