في مشهد مبكر من فيلم "اترك العالم خلفك"، لا يحدث انفجار أو حرب، بل يختفي الإنترنت فجأة، وتفقد الهواتف إشارتها، مما يثير قلقا عميقا بشأن اعتمادنا على شبكة غير مرئية.
قد يبدو هذا المشهد خياليا، لكنه قريب للواقع، ففي صباح عادي، قد تجد هاتفك لا يستجيب، ولا توجد شبكة، وهذا العطل يتحول إلى قلق حقيقي، ويكشف أننا نعيش داخل الشبكة.
والسؤال المقلق هو: ماذا لو صمتت الشبكة نفسها؟ ماذا لو انقطع الإنترنت على نطاق واسع لأيام أو أسابيع؟
عندها، لن يكون الأمر مجرد خلل تقني، بل اختبارا للنظام الدولي الذي تشكل بالاتصال الرقمي.
وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 6 مليارات شخص يستخدمون الإنترنت، أي ثلاثة أرباع سكان الأرض، وأكثر من ثلثي البشرية يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا يدل على تحول حضاري عميق، فالمجال العام والاقتصاد والتعليم والهوية الاجتماعية متشابكة مع بنية رقمية دائمة التشغيل، وانقطاع الإنترنت يعني اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
والمعروف أن الإنترنت صمم في الأصل كشبكة لامركزية قادرة على تحمل الأعطال، لكن هذه المرونة تخفي حقيقة أن البنية المادية للفضاء الرقمي ليست موزعة بالتساوي.
إذ تمر معظم البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تملكها شركات تقنية كبرى، وتتركز مراكز البيانات في مناطق جغرافية محددة.
وهذا يعني أن الفضاء السيبراني منظومة مادية يمكن أن تتعرض لتعطيل متزامن، سواء بهجوم سيبراني أو تخريب مادي أو حتى حدث طبيعي، فالشبكة مصممة لمقاومة الضربات، لكن بنيتها المادية تجعلها هشة.
وعند وقوع انقطاع واسع، ستظهر الفوارق بين الدول، فالدول التي استثمرت في بنى تحتية سيادية قد تتمكن من تشغيل شبكات داخلية، بينما ستواجه الدول الأخرى فراغا إداريا وتشغيليا.
والأخطر من الانقطاع هو ما قد يعقبه، فقد يدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على الشبكة العالمية وتعزيز شبكات وطنية مغلقة، وقد تتوسع مشاريع "وطننة الإنترنت"، مما يزيد من احتمال تجزئة الإنترنت.
وبين، أن مجرد إدراك أن مليارات البشر قد يجدون أنفسهم خارج الشبكة يكفي لفهم حجم التحول الذي نعيشه، وانقطاع الإنترنت يعادل تعطل شبكات الكهرباء أو إغلاق الممرات البحرية، إنه اختبار لصلابة النظام الدولي الرقمي.
واضاف، أن السؤال الأعمق هو: من يملك هذه الشبكة؟ ومن يتحكم في مفاتيحها؟ فالإنترنت يقوم على توازن دقيق بين دول وشركات وهيئات تنظيمية، وهو ليس ملكية عامة، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات، وانقطاعه يكشف هشاشته، واستمرار عمله يكشف بنية السلطة التي تنظمه.





