تصعيد مضيق هرمز: أوروبا تدفع الثمن وموسكو تستفيد من أزمة الطاقة

تصعيد مضيق هرمز: أوروبا تدفع الثمن وموسكو تستفيد من أزمة الطاقة

مع كل تصعيد عسكري محتمل في مضيق هرمز، تتحول الجغرافيا إلى محدد رئيسي لأسعار الطاقة، هذا الممر الحيوي الذي يقع بين إيران والجزيرة العربية، ليس مجرد معبر للسفن، بل هو شريان يمر من خلاله حوالي خُمس النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.

وأي تعطيل طويل الأمد في هذا الممر المائي لا يقتصر على نقص فوري في إمدادات النفط، بل يؤدي إلى زعزعة الثقة، مما يزيد من المخاطر وتكاليف النقل والتأمين، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الوقود والكهرباء وسلاسل الإمداد.

حين تتحول الممرات إلى مناطق خطرة

السيناريو الأكثر احتمالا في حالات التصعيد ليس الإغلاق الرسمي للمضيق، بل جعله منطقة شديدة الخطورة، تهديدات متبادلة أو حوادث متفرقة قرب الممر الملاحي كافية لدفع شركات الشحن لاتخاذ قرارات بتجنبه.

فالملاحة لا تعتمد فقط على إمكانية العبور الظاهرية، بل أيضا على قدرة السفن على الإبحار بتأمين مقبول ومخاطر يمكن تحملها دون تحويل الرحلة إلى مقامرة مالية وأمنية.

وبالنظر إلى سيطرة إيران على الساحل الشمالي للمضيق وقدرتها على ممارسة الضغط بحريا وصاروخيا، فإن ارتفاع المخاطر قد يدفع جزءا من الأسطول التجاري إلى التباطؤ أو تغيير المسار أو انتظار فرصة آمنة للمرور، مما يؤدي إلى ازدحام وتأخير وتقليل حجم الشحنات، حتى دون إعلان إغلاق رسمي.

واشنطن أقل تأثرا وأوروبا الأكثر عرضة للخطر

قد تبدو الولايات المتحدة في وضع أفضل لتحمل صدمات الإمدادات، فهي منتج كبير ولديها القدرة على إدارة أي ارتفاع حاد في الأسعار من خلال السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية أو تشجيع زيادة الإنتاج.

لكن المشكلة في واشنطن غالبا ما تكون سياسية، حيث أن ارتفاع أسعار البنزين يؤدي بسرعة إلى ضغوط داخلية، ويصبح ملف الطاقة جزءا من الجدل الانتخابي، خاصة في الفترات الحساسة أو مع اقتراب مواعيد تشريعية مهمة.

أما أوروبا، فهي في موقف أضعف، فبعد انخفاض تدفقات الطاقة الروسية التي كانت تأتي بعقود طويلة الأجل وبأسعار مستقرة، زاد اعتمادها على السوق الفورية والغاز الطبيعي المسال، الذي يتأثر بسرعة بتقلبات الطلب العالمي.

وفي ظل اقتصاد ينمو ببطء، يمكن لأي ارتفاع جديد في الأسعار أن يؤدي إلى تباطؤ صناعي وتضخم إضافي وتوتر اجتماعي، مما يؤثر على الاستقرار السياسي في عدد من الدول.

معضلة البدائل السريعة

تزداد حساسية أوروبا لأن جزءا كبيرا من طاقتها يعتمد على الغاز المسال، وفي حال تعطل الشحن عبر الخليج، فإن المشكلة لن تكون في إيجاد الغاز نظريا، بل في القدرة العملية على تعويضه بسرعة، فطاقات التسييل والشحن وإعادة التغويز ليست مرنة بما يكفي لسد فجوة كبيرة في غضون أسابيع، كما أن طاقات التصدير لدى بعض المنتجين تعمل بالقرب من طاقتها القصوى.

وبذلك، تتحول أي فجوة في الإمداد أو حتى مجرد الخوف من حدوثها إلى ضغط على الأسعار قد يستمر ويغذي موجة من المنافسة العالمية على الشحنات المتاحة.

وإعادة التغويز هي عملية تحويل الغاز الطبيعي المسال من حالته السائلة شديدة البرودة إلى حالته الغازية مرة أخرى، لكي يمكن ضخه في شبكات أنابيب الغاز واستخدامه في المنازل ومحطات الكهرباء والمصانع.

مكسب جيوسياسي لموسكو

في المقابل، قد تجد روسيا في اضطراب هرمز فرصة قيمة، فارتفاع الأسعار العالمية يمنح المنتجين، بمن فيهم الخاضعين للعقوبات، مجالا أوسع للمناورة.

ومع تقلص إمدادات الشرق الأوسط أو تعثرها، تتجه الأنظار عادة إلى خامات بديلة يمكن الحصول عليها بسرعة وبأسعار مخفضة، وهنا يصبح الخام الروسي أكثر جاذبية لبعض المشترين الآسيويين، خاصة إذا اشتدت المنافسة على النفط الخليجي أو ارتفعت تكلفة نقله وتأمينه.

كما أن موسكو لديها شبكة نقل بحرية موازية تعتمد على ناقلات تستخدم للالتفاف على القيود، مما يتيح إعادة توجيه الشحنات إلى مشترين مستعدين للمخاطرة أو البحث عن خصم، خاصة عندما ترتفع الأسعار ويصبح الحصول على أي إمدادات أولوية اقتصادية.

وفي مثل هذه الظروف، لا تكون المشكلة الأساسية لدى المشتري هي من أين يأتي النفط، بل بأي سعر وفي أي وقت.

ميزان الطلب الذي قد يرجح كفة روسيا

تبقى آسيا محورا حاسما في معادلة الربح والخسارة، فالهند والصين من أكبر المستهلكين للطاقة، وأي اضطراب في الخليج يؤثر عليهما بشكل مباشر نظرا لقربهما من مسارات الإمداد واعتمادهما على الواردات.

وإذا واجهت الدولتان منافسة أشد على خامات الشرق الأوسط، فقد تزداد جاذبية النفط الروسي كبديل متاح في السوق، ونظرا لوجود قنوات دفع ولوجستيات وتجارب شراء سابقة، فإن التحول إليه يصبح أسرع من بناء مسارات جديدة من الصفر.

وبينما يمكن للصين امتصاص الصدمات جزئيا عبر إدارة المخزون وتنوع الموردين، غالبا ما تتعرض الهند لضغط أكبر عندما ترتفع الأسعار وتتسع فاتورة الاستيراد، مما يدفعها إلى البحث عن خيارات تقلل التكلفة وتضمن التدفق، حتى لو تعارض ذلك مع الاعتبارات السياسية الغربية.

العقوبات الأوروبية على المحك

أي أزمة طاقة كبيرة تضع القرارات الأوروبية الصعبة تحت اختبار توقيت قاس، فالتشدد في العقوبات على قطاع الطاقة الروسي يصبح أكثر تعقيدا عندما تكون الأسواق متوترة والأسعار مرتفعة والبدائل محدودة.

كما أن ملف الإمدادات داخل الاتحاد الأوروبي لا يتقدم دائما بنفس الوتيرة بين الدول، حيث تختلف درجات الاعتماد على مسارات الأنابيب وعلى الشحن البحري، وتتباين حسابات السياسة الداخلية بين العواصم.

جوهر الخطر في مضيق هرمز ليس فقط احتمال الإغلاق الرسمي، بل إمكانية تحول الممر إلى منطقة خطرة تعطل الملاحة فعليا وترفع تكلفة الطاقة عالميا.

الغرب، وخاصة أوروبا، قد يواجه تداعيات اقتصادية وسياسية قاسية في ظل سوق غاز ونفط شديدة الحساسية.

وفي المقابل، قد تحقق روسيا مكاسب مزدوجة، فارتفاع الأسعار يعني عائدات أكبر، واضطراب الإمدادات يعني طلبا أقوى على بدائل يمكن لموسكو توفيرها عبر قنواتها وشبكاتها، مما يمنحها مساحة تمويل ونفوذ في لحظة تتداخل فيها الحرب بالطاقة وموازين السياسة العالمية.