فرنسا تعزز وجودها العسكري والدبلوماسي في الخليج والمتوسط

فرنسا تعزز وجودها العسكري والدبلوماسي في الخليج والمتوسط

في ظل التوترات المتصاعدة، تسعى باريس لتعزيز دورها في منطقة الخليج والمتوسط، مؤكدة التزامها بمصالحها وصداقاتها واتفاقياتها الدفاعية في المنطقة.

وحرصا من باريس على مصداقيتها، كما صرح الرئيس إيمانويل ماكرون، اتخذت خطوات جادة لإبراز هذا الالتزام، مبينا في الوقت نفسه أنها لم تشارك في الهجمات الأخيرة وأنها لا تؤيدها، وشدد ماكرون على أن العمليات العسكرية نفذت خارج إطار القانون الدولي.

إلا أن فرنسا لم تذهب إلى حد التنديد بما قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبرت أن إيران تتحمل مسؤولية الدفع نحو استخدام القوة العسكرية.

وقال ماكرون إن إيران طورت برنامجا نوويا خطيرا وقدرات باليستية غير مسبوقة، وقامت بتسليح وتمويل جماعات إرهابية في المنطقة، كما أن مفاوضاتها مع الجانب الأميركي لم تحقق أي تقدم.

وبمعنى آخر، فإن الاتهامات الثقيلة الموجهة إلى طهران تبرر عدم إدانة باريس وغيرها من العواصم الأوروبية لما تقوم به واشنطن وتل أبيب، واختتم ماكرون حديثه بالإشارة إلى أن التاريخ لن يذرف الدموع على من يظلمون شعوبهم.

وفي الأيام الأخيرة، أجرى ماكرون ووزير خارجيته جان نويل بارو اتصالات واسعة مع العواصم المعنية، بدءا بواشنطن وتل أبيب والعواصم الخليجية والأوروبية، ورغم أن مصادر فرنسية رفيعة المستوى ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل منخرطتان في عمليات عسكرية واسعة، إلا أن ماكرون بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني والمستشار الألماني أوضحوا أن وقف الضربات في أسرع وقت ممكن أمر مرغوب فيه، وأن السلام الدائم في المنطقة لن يتحقق إلا من خلال استئناف المفاوضات الدبلوماسية.

وامام هذه المعطيات، كان على باريس أن تتحرك ميدانيا، وتم ذلك من خلال إعلان ماكرون عن تعزيز القدرات العسكرية لبلاده في منطقتي الخليج والمتوسط الشرقي، نظرا لارتباطها باتفاقيات دفاعية مع الكويت والإمارات وقطر ومع قبرص منذ العام الماضي، إضافة إلى الأردن والعراق.

وافادت مصادر فرنسية بأن دولا خليجية طلبت المساعدة من فرنسا التي شاركت طائراتها في التصدي للمسيرات، وفي هذا السياق، قامت قيادة الأركان الفرنسية بتعزيز الحضور العسكري من خلال إرسال طائرات رافال إضافية إلى منطقة الخليج.

ولان فرنسا تعتبر أن إحدى الأولويات تكمن في ضمان حرية الملاحة البحرية، فإنها تعمل على بناء تحالف لتوفير الوسائل لضمان أمن الممرات البحرية الحيوية للاقتصاد العالمي، وامتنعت المصادر الفرنسية عن كشف هوية الدول التي يمكن أن تنضم لهذا التحالف.

إلا أنها ذكرت أن هناك مهمة أوروبية تسمى أسبيديس تعمل على حماية حركة السفن في باب المندب والبحر الأحمر منذ عام 2024، وهي ذات طابع دفاعي محض، وأكدت باريس أن التحالف الذي تريد قيامه سيعمل باستقلالية عن الولايات المتحدة بما في ذلك في مضيق هرمز.

ولاكتمال الصورة، أمر ماكرون بتوجه حاملة الطائرات شارل ديغول مع القطع البحرية المواكبة إلى المتوسط الشرقي لمساعدة قبرص في حماية أجوائها وأراضيها بعد تعرض قاعدة أكروتيري البريطانية لهجوم بالمسيرات، كما أرسلت باريس الفرقاطة لانغدوك المتخصصة بالدفاع الجوي.

لبنان: عملية إسرائيلية برية ستشكل خطأ استراتيجيا

تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن لباريس أربع أولويات؛ أولها المحافظة على أمن الفرنسيين المنتشرين في المنطقة، والثانية توفير الدعم لشركائها في الخليج وقبرص والشرق الأوسط، والأولوية الثالثة المحافظة على مصالحها الاقتصادية، أما الأولوية الرابعة فتتناول كيفية الخروج من هذه الحرب، وبرأي باريس أن ضمان السلام الدائم في المنطقة يفترض التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يضع حدا للتحديات التي يفرضها النظام الإيراني على الأمن الجماعي.

وفي هذه المعمعة، لا تنسى باريس لبنان، ففي كلمته المتلفزة، أكد ماكرون أن حزب الله استجلب الحرب إلى لبنان من خلال ارتكابه خطأ جسيما بشن ضربات على إسرائيل وتعريض اللبنانيين للخطر، وأضاف أن إسرائيل بصدد اتخاذ قرار بشن عملية برية، وسيكون ذلك أيضا تصعيدا خطيرا وخطأ استراتيجيا، ودعا ماكرون حزب الله إلى أن يوقف فورا جميع الهجمات، داعيا إسرائيل إلى احترام الأراضي اللبنانية وسلامتها الإقليمية.

وقامت باريس باتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى مع تل أبيب لإيصال هذه الرسالة، ومن جانبها، قالت المصادر الدبلوماسية إن حزب الله وفر الذرائع لإسرائيل للقيام بهجوم واسع ضد لبنان، ووصفت ما قام به حزب الله بالعمل غير المسؤول، وإزاء هذا الوضع، أعربت المصادر الدبلوماسية عن دعم باريس للخطوات الشجاعة التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانية بحظر الجناح العسكري لحزب الله ووضع حد فوري لعملياته العسكرية وتسليم سلاحه.

وحث مصدر آخر الحكومة اللبنانية على تحمل مسؤولياتها وتنفيذ القرارات التي اتخذتها، واعدا إياها بتوفير الوسائل الضرورية لإتمام المهمات التي حددتها، وبالنسبة لآلية الرقابة على وقف إطلاق النار، قالت المصادر الفرنسية إنها لم تمت، وما حصل أن الطرف الأميركي سحب ممثليه منها، فيما يستخدمها الإسرائيليون لحاجاتهم.

الوقوف إلى جانب إسبانيا

تبقى حالة إسبانيا وتهجم الرئيس الأميركي عليها وطلبه وقف التعامل معها، وفي هذا السياق، أفادت الرئاسة الفرنسية بأنه تحدث الرئيس ماكرون مع رئيس الوزراء سانشيز للتعبير عن التضامن الفرنسي والأوروبي ردا على التهديدات الأخيرة بالإكراه الاقتصادي الذي يستهدف إسبانيا، ومن جانبها، أكدت المفوضية الأوروبية أنها مستعدة للرد من أجل الدفاع عن مصالح إسبانيا، وردا على الرئيس الأميركي، أكد بيدرو سانشيز لن نتواطأ في عمل يضر بالعالم ويتعارض مع قيمنا ومصالحنا فقط خوفا من الانتقام الأميركي.

وكان ترمب قد هاجم إسبانيا خلال استقباله المستشار الألماني في البيت الأبيض، متهما إياها برفض السماح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدتين عسكريتين في منطقة الأندلس، ودعت باريس الأوروبيين للتضامن مع مدريد التي تصرفت بناء على مضمون الاتفاقية الموقعة بينها وبين واشنطن بشأن استخدام هذه القواعد.