دراسات تكشف: عادات رمضان الحديثة تسرق النوم وتزيد الإرهاق

دراسات تكشف: عادات رمضان الحديثة تسرق النوم وتزيد الإرهاق

مع حلول شهر رمضان المبارك، يشهد نمط الحياة اليومي تغيرا جذريا، حيث يتحول الليل إلى وقت للنشاطات الاجتماعية والعمل والترفيه، بينما يصبح النهار فترة للراحة والقيلولات المتقطعة.

ورغم أن الصيام لا يشكل عبئا فسيولوجيا على النوم عند اتباعه ضمن نمط حياة متوازن، إلا أن الواقع يكشف عن تزايد "أزمة النوم الرمضانية"، حيث يعاني العديد من الصائمين من نقص في ساعات النوم واضطراب في جودته.

وتشير مراجعات علمية إلى أن متوسط مدة النوم الليلية ينخفض خلال شهر رمضان بمعدل ساعة يوميا مقارنة بالأيام العادية، وهو ما قد يبدو تغييرا طفيفا، لكنه يتراكم ليتحول إلى ما يعرف بـ "الدين النومي"، أي الحرمان الجزئي والمستمر من النوم وما يصاحبه من تعب ذهني وجسدي.

العادات الرمضانية واضطرابات النوم

وتؤكد الدراسات أن الصيام ليس السبب المباشر لاضطراب النوم، بل العادات المصاحبة لشهر رمضان هي المسؤولة عن ذلك، فقد أظهرت التجارب أن الأشخاص الذين حافظوا على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة خلال الصيام لم يشهدوا تغيرات كبيرة في جودة النوم أو القدرات الذهنية.

ولكن يؤدي السهر بعد الإفطار وتأخير النوم لما بعد منتصف الليل والاستيقاظ المبكر للسحور والعمل إلى خلل في نظام النوم الطبيعي، ويربك الساعة البيولوجية للجسم ويجعلها غير متوافقة مع إيقاع الليل والنهار، وهي حالة مشابهة لما يعانيه العاملون بنظام المناوبات الليلية.

وتظهر أبحاث فسيولوجيا النوم أن هذا الاضطراب لا يقتصر على عدد ساعات النوم فقط، بل يؤثر على تركيبته الداخلية، فقد بينت دراسات استخدمت تخطيط النوم الكهربائي أن شهر رمضان قد يرتبط بتأخر إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن الشعور بالنعاس، بالإضافة إلى انخفاض نسبي في مراحل النوم العميق وحركة العين السريعة، وهما المرحلتان الأكثر أهمية لاستعادة الوظائف الذهنية وتنظيم الذاكرة والانفعالات.

كما سجل تأخر في الإيقاع اليومي لدرجة حرارة الجسم واستهلاك الطاقة، ما يشير إلى تحول النشاط البيولوجي تدريجيا نحو الليل بدلا من النهار، وهذا التحول يجعل الكثيرين يشعرون باليقظة ليلا والإرهاق صباحا، حتى وإن بلغ مجموع ساعات النوم الظاهرية مستوى مقبولا.

هل القيلولة تعوض نقص النوم؟

ويرى البعض أن القيلولة خلال النهار تعوض نقص النوم ليلا، ولكن الدراسات تشير إلى أن النوم النهاري لا يوفر الفوائد نفسها التي يقدمها النوم الليلي.

ففي الليل، يمر الدماغ بدورات عميقة تساعد على إصلاح الخلايا وتنظيم الهرمونات المسؤولة عن الشهية والتمثيل الغذائي والمناعة، بينما النوم في النهار، خاصة إذا كان متقطعا أو في مكان مضاء، يكون أقل فاعلية في أداء هذه الوظائف.

لذلك يشعر العديد من الصائمين بالتعب وضعف التركيز وتقلب المزاج، حتى لو ناموا عدد ساعات كافيا موزعا بين الليل والنهار.

ولا تقتصر آثار اضطراب النوم على التعب الذهني فقط، بل تمتد إلى التمثيل الغذائي للجسم، فقد أظهرت دراسات عديدة أن قلة النوم تؤدي إلى ارتفاع هرمون الغريلين المسؤول عن الإحساس بالجوع وانخفاض هرمون الليبتين المرتبط بالشبع، ما يزيد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون بعد الإفطار.

ويفسر هذا الأمر زيادة الوزن لدى بعض الأشخاص خلال شهر الصيام، وتشير أبحاث حديثة إلى ارتفاع معدلات النعاس النهاري واضطرابات النوم في النصف الثاني من رمضان تحديدا، حيث يتراكم الحرمان من النوم تدريجيا مع استمرار السهر.

التحول الاجتماعي وتأثيره على النوم

وتكشف أزمة النوم في رمضان عن تحول اجتماعي في علاقتنا بالوقت، ففي الماضي كان الناس ينامون مبكرا بعد صلاة العشاء ويستيقظون للسحور ثم يعودون للنوم، وهو نمط يحافظ على التوازن البيولوجي.

ولكن أدى انتشار الشاشات الرقمية والبرامج الليلية والعمل المتأخر إلى تمديد فترة اليقظة الليلية لساعات طويلة، ما يجعل الجسم في حالة إجهاد بيولوجي مستمر طوال الشهر.

وتشير أبحاث طب النوم إلى أن اضطراب الإيقاع اليومي المزمن يرتبط على المدى الطويل بزيادة مخاطر السمنة والسكري وأمراض القلب، ما يمنح موضوع النوم في رمضان بعدا صحيا يتجاوز مجرد الشعور بالنعاس.

لذلك يكمن الحل في إعادة قدر من الانتظام إلى اليوم الرمضاني، مثل تثبيت موعد النوم قدر الإمكان، وتقليل التعرض للضوء الأزرق قبل النوم، وتجنب الوجبات الثقيلة المتأخرة، والاكتفاء بقيلولة قصيرة بدلا من النوم النهاري الطويل.

وعندما يحترم إيقاع النوم، يمكن لرمضان أن يستعيد أحد أبعاده الصحية الحقيقية، لا باعتباره شهر حرمان جسدي، بل فترة لإعادة ضبط التوازن بين الغذاء والراحة والإيقاع الحيوي للإنسان.

وفي النهاية، ربما يكون التحدي الصحي الأكثر أهمية خلال رمضان هو عدد الساعات التي نمنحها لأدمغتنا كي تنام فعلا.