الفجوة الرقمية والاجتماعية في الأردن

الفجوة الرقمية والاجتماعية في الأردن

تشكل الفجوة الرقمية والاجتماعية في الأردن أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه المجتمع والدولة في مرحلة التحول نحو اقتصاد المعرفة، فلم تعد الرقمنة مسألة تقنية محايدة، بل تحولت إلى عامل حاسم في إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وفي تحديد من يملك أدوات المستقبل ومن يترك على الهامش، ومع تسارع التحولات الرقمية عالميا، بات هذا التفاوت يهدد تماسك الطبقة الوسطى، بوصفها الحاضنة التاريخية للاستقرار الاجتماعي.

إذ تتمكن الفئات المقتدرة من توفير تعليم نوعي لأبنائها في مدارس خاصة ودولية تعتمد مناهج رقمية متقدمة، وتستثمر في مهارات المستقبل كالبرمجة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وهذا المسار التعليمي لا يمنح أفضلية أكاديمية فحسب، لكنه يراكم رأس مال معرفيا يفتح الأبواب أمام سوق العمل العالمي، ويعيد إنتاج الامتيازات الاجتماعية عبر الأجيال.

في المقابل يواجه طلبة المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة الأقل تجهيزا فجوة حقيقية في الوصول إلى تعليم رقمي نوعي، فضعف البنية التحتية ونقص تدريب المعلمين وغياب المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، كلها عوامل تحد من قدرة الشباب على الاندماج في الاقتصاد الرقمي، وتتعمق هذه الفجوة في المحافظات والأطراف مقارنة بالمراكز الحضرية، ما يضيف بعدا جغرافيا واضحا للتفاوت، ويعيد طرح سؤال العدالة المكانية في فرص التعليم والعمل.

وتتحول الفجوة الرقمية تدريجيا إلى فجوة اجتماعية واقتصادية أوسع، إذ تشير تقارير البنك الدولي إلى أن ضعف المهارات الرقمية يقيد الحراك الاجتماعي ويحد من فرص التشغيل في الاقتصادات المتوسطة الدخل. وفي الأردن تتعرض الطبقة الوسطى لضغط مزدوج: تعليم محدود الإمكانات من جهة، وسوق عمل يتطلب مهارات رقمية متقدمة من جهة أخرى، ما يهدد بتآكلها ويضعف دورها كصمام أمان اجتماعي.

ويبرز في هذا السياق بعد جندري لا يقل أهمية، فرغم التفوق التعليمي للمرأة الأردنية، عندما تقترب مؤشرات المساواة التعليمية من الكمال، لا تتجاوز مشاركتها الاقتصادية ثلث قوة العمل، وتنخفض مشاركتها في قطاع التكنولوجيا إلى نحو 16%، مع فجوة واضحة في استخدام الإنترنت بين النساء والرجال. هذه المفارقة تكشف أن الفجوة الرقمية ليست فجوة وصول فقط، وإنما فجوة تمكين وهيكلة سوق عمل.

وفي مواجهة هذه التحديات البنيوية، تبنت الدولة استجابة استراتيجية أكثر تنظيما، تجسدت في إطلاق الاستراتيجية الأردنية للتحول الرقمي (2026–2028)، التي تضع تحقيق شمولية رقمية عادلة وتقليص الفجوة الرقمية ضمن أهدافها الاستراتيجية، فقد بدأت ملامح هذا التوجه تظهر عبر رقمنة أكثر من 1250 خدمة حكومية، والعمل على تطوير المناهج الرقمية، وتأهيل طلبة الجامعات بمهارات تقنية مطلوبة سوقيا.

كما أنشأت وزارة الاقتصاد الرقمي وحدة الشمول لمعالجة العزلة الرقمية في المناطق الأقل حظا، وتقليص الفجوة بين الحضر والأطراف، وخلق فرص عمل قائمة على المهارات الرقمية، وعلى صعيد القياس حقق الأردن تقدما لافتا بوصوله إلى المرتبة 21 عالميا في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية لعام 2025، مصنفا ضمن الفئة الأعلى، إلا أن وثائق الاستراتيجية نفسها تقر بوجود تحديات مستمرة، أبرزها نقص المهارات التقنية وتعقيد الإجراءات، ما يؤكد أن التحول الرقمي لا يزال غير متكافئ الأثر.

إن جوهر التحدي لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في حوكمتها وربطها مباشرة بأهداف التشغيل والحراك الاجتماعي؛ فالاستثمار في التعليم الرقمي هو استثمار في تقليص البطالة وتمكين الشباب وحماية الطبقة الوسطى، وبدون مؤشرات وطنية لقياس نضج التحول الرقمي في التعليم وسوق العمل، ستبقى الفجوة قائمة ولو تعددت البرامج.

إن معالجة الفجوة الرقمية والاجتماعية لم تعد خيارا تنمويا، لكنها ضرورة وطنية تمس العدالة الاجتماعية والثقة بالمستقبل، فإما أن يدخل الأردن العصر الرقمي بمجتمع متماسك، أو يدفع ثمن تفاوت يعيد إنتاج الإقصاء في زمن يفترض أن يوسع الفرص.

.