الإطاحة بالرئيس الفنزويلي.. بلطجة أمريكية

الإطاحة بالرئيس الفنزويلي.. بلطجة أمريكية

ما بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده خارج البلاد، وذلك عقب ضربة عسكرية امريكية وتدخل لقوات الدلتا «مجموعة القوات الخاصة»، فالعالم أمام أزمة اختبار حقيقي لنظام دولي لم تستقر قواعده الرئيسية ولا استبانت ملامحه الأخيرة، رغم عقود على نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق.

وما هو سائل في العلاقات الدولية يتجاوز الحالة الفنزويلية، وكسر مبدأ سيادة الدولة وإدارة امريكا للعالم وفقًا لشريعة الغاب.

وما جرى يوم أمس ليس حدثًا فنزويليًا، بل إنه تحول في السياسة الامريكية إزاء الدول والأنظمة السياسية المصنفة خصومًا وأعداءً لأمريكا.

وانتقلت أمريكا من الضغوطات والحصار الاقتصادي والعقوبات إلى سياسة الأمر الواقع والتدخل العسكري والاستخدام المباشر للقوة العسكرية. ويرجح أن تكون فنزويلا بداية لتوتر وتصعيد أمريكي في النظام العالمي.

ترامب طبق حرفيًا مبدأ مونورا، وقد أشارت استراتيجية العقيدة الأمنية الأمريكية لـ2025 إلى إحياء مبدأ مونورا، وإغلاق نصف الكرة الأرضي الغربي «الامريكتين: الشمالية والجنوبية» أمام القوى الدولية الجديدة، وأي محاولة سواء كانت أوروبية أو روسية أو صينية بالتدخل والسيطرة والبحث عن نفوذ في الامريكتين سيواجه بالقوة والتدخل العسكري، وتعتبره امريكا عملًا عسكريًا ضدها.

براميل البارود وفرق قوات الدلتا والطائرات الامريكية جاهزة ومستعدة، وثمة مؤشرات سياسية امريكية تنذر بأنها سوف تتدخل في كولومبيا وكوبا، وحربها الكبرى ستمتد إلى دول امريكا اللاتينية، والتي تصنف خارجة عن التبعية لامريكا.

والرئيس الامريكي ترامب لم يتورع عن التلويح بمثل هذا الخيار المفتوح في امريكا اللاتينية والعالم، باسم الدفاع عن شعب فنزويلا واتهام الرئيس مادورو أنه زور الانتخابات الرئاسية، ودون أن يكون صادقًا، ولم يعهد عن امريكا أية عناية بقضايا الحريات وحقوق الإنسان ولا غيرها.

وكالعادة هي مصالح استراتيجية امريكية، واستعادة لمناطق نفوذ قديمة، وعلى اعتبار أن فنزويلا وكولومبيا ودول امريكا اللاتينية هي مجرد حديقة خلفية لامريكا، ووضع يدها على النفط والغاز، والثروات الهائلة في فنزويلا والدول اللاتينية.

وأخطر ما قد يترتب على الإطاحة بمادورو وبطريقة البلطجة الامريكية، هو عودة فنزويلا إلى مربع حرب العصابات، والتي استدعتها الأنظمة الفاشية المدعومة من امريكا.

الإطاحة الامريكية بالرئيس مادورو سبقها هندسة وترتيب مسبق وتصعيد امريكي على الجبهة الداخلية ودفعها للانفجار.

ولربما هي تقويمات موضوعية وغير موضوعية لنظام الرئيس مادورو، ولكن التدخل الامريكي والإطاحة بالرئيس مادورو سوف تستفز القوى الوطنية في القارة اللاتينية.

وما حدث في فنزويلا يتجاوز أثره حدودها إلى أسئلة كبرى لا يمكن تجنبها: هل يتحمل العالم هذا الشكل والنوع من البلطجة الامريكية؟ والتراجع في قيم الديمقراطية والاجتماعية والسيادة والحصانة السياسية للدول، وزيادة النزعة «الشعبوية اليمينية» والتي بدأ ترامب بعد عودته الثانية إلى البيت الأبيض في دعمها وتشجيعها، وهي تنذر وتهيئ في الدول اللاتينية لعودة الانقلابات وحكم الجنرالات وحروب العصابات التي تستدعي ذاكرتها من التاريخ المعاصر؟

والرئيس الفنزويلي مادورو كان يقود معركة إصلاح اقتصادي واجتماعي واسترداد لثروات البلاد المنهوبة من شركات عابرة للحدود، ووكلاء محليين، وشبكات تجارية واقتصادية تدور في الفلك الامريكي.

وضع مادورو معادلات في إدارة الدولة لتحسين الخدمات وإنشاء المدارس والمستشفيات ومعالجة الفقر، والتوسع في تحرير الفنزويليين الذين يعيشون في تهميش وإنكار لأي حقوق أساسية لهم في الصحة والتعليم والترقي الاجتماعي.

ومادورو وريث مشروع الزعيم الفنزويلي الراحل «هوغو تشافيز» التحرري وبناء ديمقراطية اجتماعية وطنية، ونجح في كسب الانتخابات الرئاسية بعد سلسلة انقلابات عسكرية فاشلة، ووفقًا لبرنامج يساري اجتماعي يناهض السياسة الامريكية ويدعو إلى وحدة القارة اللاتينية.

الرئيس مادورو من أكثر قادة امريكا اللاتينية والعالم انحيازًا إلى القضية الفلسطينية، وكان يصفها بأنها من أقدس القضايا الإنسانية، وقطع مادورو كافة علاقات بلده مع اسرائيل، وساند ودعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وحركات التحرر الوطنية، وإدانة ورفض العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة وإبادة الشعب الفلسطيني.

ومادورو من الأصوات اللاتينية التي ترى أن القضية الفلسطينية ليست معزولة عن سياق الصراع العالمي مع الهيمنة الامريكية، ومن يقف ضد المشروع الامريكي في أي مكان في العالم، إنما يقف إلى جانب فلسطين.