التوجيه الملكي لإصدار قانون العفو العام

وجه جلالة الملك الحكومة إلى إعداد مشروع قانون للعفو العام والسير في الإجراءات الدستورية لإقراره، حيث يأتي هذا التوجيه الملكي منسجما مع الأحكام الدستورية ذات الصلة، وذلك من حيث أن جلالة الملك هو رئيس السلطة التنفيذية يمارس صلاحياته من خلال وزرائه عملا بأحكام المادة (26) من الدستور، وبأن العفو العام يصدر بقانون خاص عن السلطة التشريعية استنادا لأحكام المادة (38) من الدستور.

 

وتتمثل الفلسفة الدستورية في وجوب إصدار العفو العام بقانون وليس بأي أداة تشريعية أخرى، في أن العفو على الجرائم الجزائية التي سيشملها قانون العفو العام من شأنه أن يعطل مجموعة من القوانين الوطنية النافذة كقانون العقوبات وقانون السير وقانون أصول المحاكمات الجزائية، ومن المبادئ الثابتة في التشريع أن القانون لا يُعطل ولا يُلغى إلا بقانون من ذات المرتبة والدرجة.

 

ولن يختلف قانون العفو العام الجديد لعام 2024 عن القوانين السابقة التي صدرت؛ فهو سيقرر قاعدة تشريعية عامة مفادها أن جميع الجرائم الجنائية والجنحية والمخالفات والأفعال الجرمية التي وقعت قبل تاريخ معين سيحدده القانون سيستفيد مرتكبيها من العفو العام، حيث ستزول حالة الإجرام من أساسها وسيمحو القانون كل أثر من الآثار المترتبة عليها بمقتضى التشريعات النافذة، وستسقط كل دعوى جزائية وعقوبة أصلية كانت أو تبعية تتعلق بأي من الجرائم المشمولة بالعفو.

وسيستثني قانون العفو العام الجديد مجموعة من الجرائم الجزائية التي هي على قدر عال من الخطورة الإجرامية ولها تبعات أمنية واجتماعية كبيرة من الاستفادة من العفو العام، كالجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي والداخلي، والجرائم المخلة بواجبات الوظيفة والواقعة على السلطة العامة، وجرائم القتل والتزوير الجنائي، وجرائم الأرهاب والتجسس وأفعال الاعتداء على العرض من اغتصاب وهتك عرض وخطف جنائي.

وسيمتد نطاق الاستفادة من قانون العفو العام ليشمل كل شخص صدر بحقه حكما قضائيا قطعيا بالإدانة بجريمة جزائية مشمولة بالعفو، حيث سيتم الإفراج عن المحكومين الذين سيشملهم أحكام القانون الجديد بأمر من النيابة العامة. كما سيستفيد من العفو العام بعد إقراره الأشخاص الملاحقين بقضايا جزائية قائمة لا تزال قيد النظر، حيث ستقوم المحاكم الجزائية أو النيابة العامة باسقاط الدعاوى المقامة بسبب شمولها بقانون العفو العام.

وعن مدى استفادة المحكومين بقضايا مدنية من قانون العفو العام الجديد، فإن العفو العام يختص بالقضايا الجزائية وحدها دون الدعاوى المدنية. بالتالي، فهو لن يشمل الأحكام القضائية الصادرة بالحبس عن دوائر التنفيذ في المحاكم الأردنية، ذلك أن الحبس كتدبير تنفيذي لاقتضاء الديون لن يكون مشمولا بقانون العفو العام، على اعتبار أنه يدخل ضمن إطار الدعاوى والمطالبات المدنية الحقوقية، ولا يعتبر من قبيل الشكاوى الجزائية التي هي المحور الأساسي لقانون العفو العام.

وتجدر الإشارة إلى أن العفو العام الجديد سيكون هو الرابع الذي سيصدر في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، فقد صدر العفو العام الأول في عام 1999 بمناسبة تولي جلالة الملك سلطاته الدستورية، في حين صدر العفو العام الثاني في عام 2011 مترافقا مع الحراك الشعبي والربيع العربي، وكان آخر عفو عام قد صدر في بداية عام 2019.

 

 

 

* أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة

laith@lawyer.com