رسائل الانتحار المخفية

حنان كامل الشيخ معلوم أن موضوع الانتحار في الأوساط الاجتماعیة یعد من التابوھات غیر المسموح في الخوض فیھا، خصوصا عندما تعقب حالة وفاة مفاجئة لأحد شباب أو صبایا الأسرة، وتكون ملامحھا تدور في فلك الانتحار. لكن ذلك لا یجب أن یمنعنا من تداول الأمر دائما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على الأقل نفعل شیئا مفیدا بدل سیرك التناحر الدیني والعرقي والإقلیمي والریاضي المستشري في الصفحات. غالبیة الذین تعرضوا لمحاولات انتحار أو من نجحوا في محاولاتھم فعلا، ھم من متداولي صفحات التواصل، المعروفین لأصدقائھم ومتابعیھم. إنما لم یذكر قبل الیوم أن أحدا منھم قد لفت انتباه ھؤلاء المتابعین بأنھ یعاني حقیقة من اكتئاب شدید، یجعلھ یعبر عن رغبتھ في الموت بالكلمات والصور والمنشورات الجاھزة، والتي لا یتعدى متابعتھا أكثر من إشارات الإعجاب أو النصح من بعید! ومریض الاكتئاب واضح للعیان وبشكل كبیر، لا یحتاج إلى الغوص في أعماقھ كي یستدل على نیتھ المبیتة في الخلاص من حیاتھ، قریبا أو بعیدا، كي نكون نحن المتفرجین علیھ من بعید على قدر المسؤولیة الأخلاقیة والإنسانیة، تدفعنا دفعا لإنقاذه أو إنقاذھا قبل A A A أفكار ومواقف رأي في حیاتنا فوات الأوان. والغریب أنھ وبعد وفاة الشخص المفاجئة، وحین یدخل أصدقاؤه المحزونون على صفحتھ، یكتشفون ”صدفة“ منشورات كانت تنذر قبل ساعات عدة فقط، أن صدیقھم العزیز دق ناقوس الخطر أمامھم مرات عدة، كي یلفت انتباھھم ربما، إلى حاجتھ للدعم العاطفي والاھتمام والحب، والذي لو أنھ جاء في وقتھ الملائم لكانت العواقب أقل وبكثیر. من جانب آخر طبي ھذه المرة، تشیر دراسات علم النفس إلى أن بعض المصابین بمرض الاكتئاب یتعرضون لفترة واحدة من الاكتئاب فقط، لكن لدى غالبیة المرضى تتكرر أعراض الاكتئاب وتستمر مدى الحیاة، ویتعامل الأطباء مع ھذا المرض كما یتعاملون مع مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم. من یقدم على الانتحار، في أغلب الأحوال، كان بحاجة ماسة إلى تلقي العلاج والأدویة المضادة للاكتئاب، والتي تعمل على تعویض نقص الھرمون المسؤول عن السعادة؛ حیث وجدت دراسات نفسیة أن الأشخاص الذین یعانون من الاكتئاب، غالبا ما یكون لدیھم مستویات منخفضة من السیروتونین، ویرتبط نقص السیروتونین أیضا بالقلق والأرق. استطاع مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، نشر محتوى مختلف یعبر عن حالتھم المزاجیة السیئة، فكان حساب المرء الشخصي كافیا للتنبؤ بحالتھ الحالیة. ثم تطور الأمر واستخدم الكثیرون المنصة كوسیلة لطلب المساعدة، عن طریق نشر منشورات تُعبر عن حالتھم النفسیة المتعبة أو نشر صور لھم تعبر عن حالة الاكتئاب التي أصابتھم كنوع مختلف من الاستغاثة في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الأمر تدھور في السنوات الأخیرة من مجرد منشورات إلى فیدیوھات ومقاطع مباشرة لبعض المستخدمین قرروا إنھاء حیاتھم في مقطع مباشر على منصات التواصل الاجتماعي. المسؤولیة المجتمعیة مشتركة مع الجمیع، وكلنا إن اخترنا أن نضیق دوائر علاقاتنا كي لا تخرج من مساحة الشاشة الصغیرة، فعلى الأقل لنقم بواجباتنا الأخلاقیة الملزمة، برصد ھذه المنشورات المقلقة. في النھایة من سیكون الضحیة إما صدیق أو ابن صدیق أو ابنة جار. ”وھم یعنوننا وغالیین علینا“