تواصل معنا عبر :

أخبار روافد
السبت 23 اذار 2019  5:17  صباحاً

أنا…في بلاد العجائب

د.حسان ابوعرقوب

التاريخ : الثلاثاء 04 سبتمبر 2018
الوقت : 1:19 م
روافد الأردن الإخباري

كنت في زيارة لأحد البلاد، وأقمت فيها مدة طويلة نسبيا، وكان حال هذه البلد يصدق عليه (عش رجبا ترَ عجبا)، وكأنها لا تعرف من الشهور غير رجب فالعجب في كل تفاصيلها تراه يوميا.
ومن عجيب ما أستطيع روايته أنني في يوم كنت أجلس مع أصدقائي في سوق المدينة، وإذا برجال (المخفر) يهجمون على بعض أصحاب المحلات، ليصادروا بعض البضاعة المهربة، ثم يعودوا إلى مخفرهم بسلام. ما أثار دهشتي أن المسؤول عن التهريب هي (الجمارك) أو (مكافحة التهريب) أما رجال المخفر فوظيفتهم حفظ الأمن وإنفاذ القانون، ولا شأن لهم بالبضائع المهربة. ثم إن الإجراء القانوني لا يقتصر على حجز البضاعة بل يمتد ليشمل غرامات مالية، أو إغلاق للمحل، أو السجن، أما أخذ البضاعة فقط فهذا غريب جدا، ثم البضاعة التي تؤخذ لها مكان خاص تحجز فيه، ولا توضع في (المخفر). أبديت هذه الاعتراضات أمام الأصدقاء، ولم يعلقوا عليها، واكتفوا بالابتسامة التي تحمل هما وقهرا. اتضحت الرؤية عندي لما رأيت كل واحد من شرطة المخفر يخرج ومعه كيس يحمله لمنزله. وعندما قصصت ما حدث على صديق لي، أكل عليه الدهر وشرب، وهو بمثابة الأب، قال: هؤلاء الشرطة، ليسوا لحفظ الأمن، بل هم عصابة يحميها القانون. كلمة من خبير لخصت لي المشهد، وعلمتني الكثير عن سير الحياة في تلك البلد؛ إنها حكمة الشيوخ التي تختصر لك بكلمات يسيرة آلاف الكلمات والتجارب.
وبعد أشهر من هذه الحادثة، نزل بجوار مسكني مجموعة من الشباب ينامون  النهار ويسهرون الليل في رقص وطرب وإزعاج ينم عن عدم اكتراث بحقوق الجيران. صبرت على هذه الحال ثلاثة أيام، توجهت بعدها إليهم وكلمتهم، وكانوا في غاية الأدب واعتذروا عما فعلوا، ووعدوا بأنهم لن يكونوا سببا في إزعاج أحد. ولكن بعد رجوعي لمنزلي بنصف ساعة، ترجع حليمة لعادتها القديمة، وكأن شيئا لم يكن، وترتفع وتيرة الإزعاج. وكلما توجهت إليهم تكررت الأقوال والأفعال، يرضوني بأقوالهم، ولكن أفعالهم تخالف الأقوال.
قررت أن أتوجه إلى مخفر الشرطة لتقديم شكوى بحقهم، فاستقبلني رئيس المخفر بترحاب لا يعرفه أهل البلد، ولعل السبب أنني غريب، وسائح، وللسائح احترامه. عرضت عليه المشكلة، فقال: هذه مشكلة سهلة أحلها لك اليوم لكن بشرط ألا تتدخل فيما سيحصل. فوافقته على الشرط واعدا إياه بأنني لن أتدخل مهما حصل، ولكن طلبت منه أن يبين لي ما سيحصل، فقال: إليك الخطة، اذهب إليهم وقل لهم: إن الضابط (عزيز) مدير المخفر يسلم عليكم سلاما حارا ويقول لكم، عليكم مغادرة الشقة في غضون نصف ساعة، وإلا فإنه سيكون آسفا للقبض عليكم بتهمة تجارة الحشيش. فقلت: وما دخل الحشيش، وكيف تتهمهم بهذه التهمة؟ قال: سنقتحم الشقة، ونكتشف كمية من الحشيش نضعها بأنفسنا، لا تقلق، هذا عملنا.
وبالفعل توجهت لهؤلاء الشباب ونقلت الرسالة بنصها وبكل أمانة، ولم تمر خمس دقائق حتى غادروا الشقة كأن مصيبة ستحل فوق رؤوسهم، لقد عرفوا أن هذا الضابط لا يمزح معهم، وأنه سينفذ ما توعدهم به إن لم ينفذوا أمره، فاضطروا إلى مغادرة الشقة دون تردد. ولم أر واحدا منهم حتى غادرت تلك البلد، مع أن الشقة ملك لأهل هؤلاء الشباب حيث كانوا أبناء عمومة، وكانت هذه الشقة ميراثا لأهلهم، لكنّ كلمة الضابط أخرجتهم منها بلا عودة.
هذه هي الحال حيث يتلاشى القانون، ويدهس تحت أقدام مَنْ مِنَ المفروض أنهم يطبقونه وينفذونه، فتصبح البلاد بلادا للعجائب.









تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' روافد الأردن الإخباري ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .