تواصل معنا عبر :

أخبار روافد
الإثنين 20 نوفمبر 2017  5:27  مساءاً

“الجفت” في قرى جرش: مصدر دفء يرتفع سعره

التاريخ : Sunday 29 October 2017
الوقت : 11:16 am
روافد الأردن الإخباري

لا يعرف محدثُنا مَن الذي أدخل “الجفت” كوسيلة تدفئة إلى قريته (والجفت هو ذلك الخليط من المخلفات الصلبة الناتجة بعد عصر الزيتون واستخراج الزيت منه في المعاصر).
لكنه (أي المتحدث) يؤكد أنه منتشر في أغلب بيوت ما يعرف بـ”قرى بني حسن” الواقعة إلى الشمال الشرقي من جرش والقرى المجاورة الأخرى. وعموماً، فإن زراعة الزيتون (مصدر الجفت) في تلك القرى جديدة نسبياً، وهو ما يعني أن الجفت مادة تدفئة جديدة، ولكن ومع الارتفاعات المتتالية في تكلفة وقود التدفئة بأنواعه، وجد السكان طريقهم إلى تلك الوسيلة الأرخص سعرا، واعتمدوها كمصدر تدفئة.
حمى البيع والتسعير
كان الجفت في ماضي الأيام يعد عبئاً على المعاصر، لا سيما وأن له رائحة غير مستحبة يمكن أن يشمها المرء عن بعد مئات الأمتار، وكان بمقدور مَن يريد، أنْ يأخذ من “الجفت” الكمية التي يريد من المعصرة بالمجان، بل ومع الشكر أيضاً.
ولكن ومع انتشار اعتمادِه كمصدر للوقود، صار له سعر، وهو يرتفع سنة بعد أخرى. فقد بدأ بيعه منذ 15 عاماً، تزيد أو تنقص قليلاً، وبسعر خمسة دنانير للطن الواحد من المعصرة، ثم ارتفع إلى 15 ديناراً، ثم إلى 20 وهكذا، حتى وصل في الأعوام الأخيرة إلى سعر له بعض التفاصيل كما يلي: فإذا اخترت أن تشتريه من المعصرة “رطباً” أو بتعبير محدثنا: “جفت أخضر”، فإنه يباع عادة من خلال وحدة قياس خاصة هي “حمولة ديانا”؛ أي سيارة بكب كبيرة ذات صندوق واسع، وقد أخبرنا محدثنا أنه اشترى “ديانا الجفت الأخضر” في 85 ديناراً. ولكن مع الوقت نشأ على الهامش “بِزْنس” مواز؛ حيث يجري تجفيف الجفت وبيعه بسعر 75 – 90 ديناراً للطن بحسب الجودة، بينما ينتج عن “ديانا الجفت الأخضر”، مقدار طن ونصف الطن من الجفت الجاف، وهذا يعني أن التجفيف الذاتي من قبل المستهلك يوفر مبلغا قد يصل إلى 50 دينارا لكل “ديانا”.
تقسيم عمل
مع اقتراب موسم الشتاء، يبدأ موسم تجفيف الجفت في تلك القرى، ويمكن للزائر (بعد كل موسم عصر الزيتون) أن يلاحظ ذلك بسهولة؛ حيث تمارس مختلف مراحل العمل في الهواء الطلق. وهناك تقسيم واضح لعملية تجهيز الجفت؛ فالرجال يجلبون الجفت الرطب من المعاصر ويتم إفراغه في ساحة المنزل، ويأتي بعد ذلك دَوْر نساء وبنات الأسر اللواتي يتعين عليهن القيام بتقطيعه إلى كرات صغيرة، بسعة راحة اليد، يتم نشرها في أقرب ساحة، وكثيراً ما يحصل تعاون بين الجارات أو القريبات، بهدف إنجاز تكوير الجفت والانتقال مِن بيت لآخر، لأن إحضاره للقرية لا يكون في وقت واحد. على الأسرة الانتظار إلى أن يجف الجفت تماماً، وبعدها يكوّم في أحد الأركان ويغطى خوفا من البلل والرطوبة مجدداً، فيصبح خزيناً للوقود يتم الاستهلاك منه تدريجياً.
إن المدفأة الواحدة، تحتاج في الموسم الواحد إلى منتوج “ديانا” كاملة من الجفت الأخضر؛ أي ما يقرب من طن ونصف الطن من الجفت الجاف، وبالنسبة لصاحبنا، فإنه يجلب كل عام “حمولتين” من الجفت، تكفيان لمدفأتين في غرفتين تشكلان منزل أسرته.
وقد تكفّلت صناعة السمكرة السورية بتوفير المدافئ الخاصة البسيطة المناسبة للجفت، وهي عبارة صندوق معدني صغير يخرج منه أنبوب للدخان (البواري)، ويبلغ سعر مدفأة الجفت ثمانية دنانير ونصف في المفرق، وقد يتدنى إلى 7 دنانير في الرمثا، وهما المدينتان المعتمدتان لشراء هذه المدافئ، ولكن السنوات الأخيرة حملت قدرا من التطوير على هذه المدافئ، وبعضها صار يزود بفرن يمكن استخدامه للطبخ، وقد انعكس ذلك على سعر المدفأة الذي ارتفع إلى 80 أو 90 دينارا لبعض الأنواع.
لكن الأمر يحتاج لبعض المهارات الإضافية والخبرات الأخرى المرافقة، فإلى جانب أكوام الجفت المكوّر، يستحسن أن تتواجد أكوام أخرى من أغصان شجر الزيتون، ذلك أن وضع عدد من تلك الأغصان بعد تكسيرها في المدفأة إلى جانب الجفت سوف يسهّل الاحتراق، ويخفف من انبعاث الدخان، ويعطي المزيد من الدفء، لاسيما وأن الأغصان ما تزال تتوفر بالمجان في موسم التقليم، كما أنها لا تحتاج للتجفيف المسبق كي تشتعل.
العيون “الفارغة”
في بعض السنوات، تداول الناس هنا أخباراً تشيع أن وزارة البيئة أخذت تلاحِق، أو قد تلاحق، مستخدمي الجفت، بحجة أن الدخان المتصاعد نتيجة احتراقه يؤثر على البيئة، ويقولون إنهم تابعوا في إحدى السنوات تقريرا تلفزيونيا محليا عن تلك الملاحقات التي لم تصل إلى قراهم بعد، ويتمنون ألّا تصل.
على هامش تنامي استخدام الجفت في تلك القرى والمنطقة المجاورة في جرش وعجلون، نشأت صناعة أخرى؛ حيث تم تصنيع ماكنات تقوم بكبس الجفت آلياً على شكل أُسطوانات قصيرة، ثم تجفيفه ليباع إلى الناس، وفي ذلك اختصار لمرحلة التكوير المنزلي، ولكنه بالطبع اختصار يرفع من التكلفة.
واليوم، وفي كل صيف، ومنذ سنوات، صارت تتجول في تلك القرى سيارات (بكب أب) تبيع الجفت المجفف الجاهز للسكان، وهو ما شجع على تراجع نسبة التجفيف المنزلي، وتختلف أنواع الجفت، فكلما كان لون الجفت مائلا إلى “الشقار” كان أفضل، بينما الجفت الداكن يكون صنفاً غير مفضل، مع فارق في السعر بين درجات اللون تلك.
لا ينسى محدثنا التذكير أن هناك حاجة للقليل من الكاز لغايات الاشتعال الأولي، وإلا فإن الأمر قد يستدعي جهداً إضافياً، وقد ينتج عنه اشتعال غير مكتمل، وإذا ترافق ذلك مع خلل قد يصيب المدافئ بسبب بساطة تصميمها، فإنه قد يُعرّض مجاري الدخان فيها إلى صعوبات قد ينتج عنها ارتداد الدخان أو انفجار المدفأة، مما يسبب ضرراً، وفي كثير من الأحيان لا يخلو الأمر من ضحايا.
تبدلات في سوق الجفت
القرى في هذه المنطقة فقيرة نسبيا، ويعتمد السكان فيها على رواتب التقاعد من الجيش أو غير ذلك من الوظائف، وهم عند إنشاء قراهم كانوا مزارعي حبوب، لكنهم هجروا زراعة الحبوب تحت ضغط ظروف مختلفة، وحوّلوا أراضيهم نحو زراعة الزيتون، كما أن بعضهم ما يزال يحتفظ بأعداد قليلة من الماشية. والناس في تلك القرى يعتمدون على التسوّق من مدينتي المفرق وجرش، وعادة لا توجد مواصلات عامة، ويجري الاعتماد على أصحاب السيارات الخاصة الذين ينقلون الركاب مقابل أجر. إن كل موسم يشهد بعض التغيير في “سوق الجفت”، فكثير من المعاصر أخذت تحتفظ بمنتوجها من الجفت، وأغلبها أحضر ماكنات تقطيع الجفت بعد تجفيفه في المعصرة؛ حيث تقوم هي ببيعه للناس مباشرة. لقد حسم الفقراء الأردنيون مجبرين مسألة انضمام الجفت إلى بدائل الطاقة، وكما هي حال أسواق السلع الجديدة، فإن السعر، مع ازدياد الطلب، يشهد ارتفاعات غير مرغوبة بالمرّة من قبل السكان.

 









تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' روافد الأردن الإخباري ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .