الطبقة المتوسطة

موطن القناعة الأكواخ لا القصور – توماس فولر، مخترع التدفئة المركزية لطالما استوقفتني عبارة صديقي العزيز سليل العائلة الثرية الخيرة، عندما كان يقول الضرب في الميت حرام! قبل أيام وأنا في النادي الصحي تجاذبت أطراف الحديث مع أحدهم، كان كلامه منصبا على الأوضاع المعيشية القاسية وصعوبة توفير مستلزمات رمضان، شعرت بالهم وأنا أفكر في شكواه إلى أن شاهدته يغادر النادي بسيارة حديثة فارهة تحمل رقما مميزا من الأرقام التي تباع في المزاد، وعندما سألت عنه تفاجؤوا من سؤالي، فهو فلان الذي يتربع قصره على أحد تلال عمان! تقول الدراسات أن 84 % من الأغنياء يرون أنفسهم من الطبقة المتوسطة! صديقي، اسمح لي أن أعرفك إلى الطبقة المتوسطة في وطني، والتي انخفضت انخفاضا حادا من41 % في عام 2008 إلى 29 % في آخر دراسة في عام 2010، وأجزم أنه لم يبق من هذه الطبقة إلا النزر اليسير. صديقي إذا كنت تعيش في منزل مستقل تبيت فيه سيارات ثلاث، فأنت غني، قد لا تكون مليونيرا ولكنك بلا شك قط سمين أو خروف، ويسري هذا الوصف عليك إ ذا كانت بذلتك يتجاوز سعرها ألف دينار وحلاقك يقدم خدمته في فندق خمسة نجوم، وحقيبة زوجتك ثروة وهي فارغة، إلا إن أردت أن تتبرع بممتلكاتك فحينئذ ستدخل نادي الطبقة الوسطى. أصحاب الطبقة الوسطى هم الكادحون ليل نهار، عادة يعمل الأبوان، أعينهم تراقب الأسعار والتخفيضات، يشترون من التصفية وفي مواسم التنزيلات، أثاث منزلهم مستعمل أو صيني، ولو خرجوا مع عائلاتهم لتناول الإفطار فستجدهم في أحد مطاعم الوجبات السريعة، يقرؤون قائمة الطعام من اليسار إلى اليمين: السعر أولا ثم الصنف، ولو سافروا في إجازة العيد سيفلّون الجرائد بحثا عن الأرخص وبالطبع ستضاف الرحلة إلى قائمة الأقساط والديون. الطبقة الوسطى هي التي يدخر أبناؤها وبناتها للزواج، ويلتزم الأب بورقة العروض في محلات البقالة، وويل لزوجته لو كان هنالك عرض على الدجاج فستمتليء ثلاجتهم وثلاجات الجيران بالدجاج. الطبقة الوسطى هي التي يمضي رب الأسرة وقته في المنزل رقيبا على مفاتيح الكهرباء ويصيح بأولاده ليقتصدوا بالمحروقات والمياه والمناديل الورقية، وينظم أيام استحمام أطفاله. الطبقة الوسطى هي بقايا طبقة تمسك بالعربة الأخيرة من القطار، فمعظم من كانوا على شاكلتهم قد وقعوا في براثن الطبقة الفقيرة. في دول أخرى تسمى طبقتنا الوسطى بالطبقة الفقيرة، وهم الذين ارتدوا السترات الصفراء في فرنسا، أما طبقتنا الفقيرة فلا تعريف لها هناك. بالمناسبة لا يعنيني ثراؤك، ولكن يعنيني جحودك بنعم الله، فالغنى ليس عيبا وإنما العيب وجود الفقراء بيننا. أخشى ما أخشاه أن وصفي للطبقة الوسطى بالنسبة للكثيرين يصنف بالطبقة المخملية!